كان عنوان جريدة «اليوم السابع»، فى عددها الصادر يوم الاثنين العاشر من يونيو الماضى 2013م الموافق غرة شعبان 1434هـ، هو: «المجتمع يتوحش: الدمايطة يطبقون حد الحرابة على سائق.. والمنايفة يعلقون لصوص الماشية.. والمحلاوية يسحلون (لصاً منتقباً)».
ولا أظن المبالغة فى هذا العنوان؛ فإن المتابع لأحوال المصريين المدنية فى السنتين الماضيتين يرى بعينيه ويسمع بأذنيه كثيراً من الجرائم الأمنية والأخلاقية التى تهدد المجتمع بصفة التوحش، وما سكتت عنه الصحف اليومية أكثر مما تكلمت عنه. فهؤلاء قطعوا الطريق، وأولئك أشعلوا النيران، وهذان اقتتلا، وهاتان خانتا، وهذا عق أباه، وهذه ضحية أمها، وهو ظالم لزوجه وجاره، وهى ضائعة الأهل والولد. والكل يشكو من الكلمة القبيحة وإهمال العمل وسوء الإنتاج وزيادة الإدمان، وغير ذلك مما ينكره الدين بنصوصه الصريحة القاطعة.
والعجيب أن علماء الدين المصريين فى السنتين الماضيتين -فى الجملة- كأنهم لا يعيشون حياة بلدهم المجتمعية، أو أنهم لا يعرفون من أحكام الدين إلا موالاة الحاكم أو معارضته، فاشتغلوا بالسياسة وتركوا المجتمع يتوحش.
إن السياسة مبنية على الظن والتجربة والتنوع، وهذا يملكه كل أحد، فكان الأكثر نجاحاً فيها هو صاحب التجارب والخبرات وليس رجل العلم بنصوص الدين القرآنية والنبوية؛ فهذه النصوص الشرعية جاءت بالشبهين فى سياسة الناس حتى يقف علماء الدين فى مسافة واحدة من أصحاب المدرستين: مدرسة السياسة باللين والعفو بضوابطه كما فى قوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ» (آل عمران: 159)، وفيما أخرجه «مسلم» عن عائشة أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: «اللهم من ولى من أمر أمتى شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتى شيئاً فرفق بهم فارفق به».
ومدرسة السياسة بالحزم والغلظة بضوابطها كما فى قوله تعالى: «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ» (آل عمران: 159)، وفى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» (التوبة: 73، التحريم: 9).
والفصل بين المدرستين السياسيتين الشرعيتين (اللين والغلظة) ليس لرجل العلم بالدين، وإنما لصاحب الخبرة والتجربة السياسية، فلماذا لا نترك الناس وشأنهم بينما أذن الإسلام لهم أن يختلفوا فيه وأن يتنافسوا فى الأصلح إنسانياً؛ لقوله تعالى: «وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» (المطففين: 26)، وما أخرجه «مسلم» عن أنس أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»؟ ولماذا لا يرفع رجال العلم بالدين أيديهم عن نصرة رؤية حزب على حساب رؤية حزب آخر باسم الدين؟ وذلك لانضباط كل الأحزاب بقواعد المنظومة السياسية المتفق عليها، وحصول كل حزب على الشرعية الدينية فى صورة الترخيص بمزاولة العمل السياسى. أليس فى كتاب الله قوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» (الإسراء: 34)؟ أليس فى سنة النبى، صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم» (كما أخرجه البخارى تعليقاً)؟ فهل من الوفاء بالعهد الذى أمر به القرآن والالتزام بالشرط الذى أمر به الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يطعن أحد باسم الدين فى شرعية حزب مرخص، أو بتعبير مسموح به قانوناً ولا يجرمه المجتمع؟
نعم، من حق رجال العلم بالدين أن يكونوا مع حزب دون آخر بصفتهم البشرية لا بصفتهم العلمية كسائر علماء الفنون الأخرى فى الطب والهندسة والتجارة والزراعة. أما بصفتهم العلمية فى الدين فإنهم لا يملكون بحكم دينهم أن يقحموه للاستقواء به على مخالفيهم؛ لما أخرجه «مسلم» عن بريدة أن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان يقول لأمرائه: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا». وبهذا يخسر علماء الدين أنفسهم مرتين.
وللحديث بقية.