أكتب تلك السطور من قطر، وقد زُرت هذا البلد مرات عديدة منذ تمت الدعوة إلى الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة، قبل أكثر من عام، حيث أمكننى أن أرصد تمتُّع جماعة «الإخوان المسلمين» بشعبية كبيرة وسمعة طيبة، ليس فقط لدى الدولة والمجتمع القطريين، ولكن أيضاً بين أفراد الجالية المصرية التى تعيش فى هذه الدولة الخليجية الشقيقة.
يمكن بالطبع فهم طبيعة العلاقات التى تربط الدوحة بجماعة «الإخوان المسلمين»، ويمكن أيضاً فهم أسباب الشعبية الكبيرة التى حظيت بها «الجماعة» بين أوساط المصريين هنا؛ وهى الشعبية التى انعكست بوضوح فى نتيجة التصويت فى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
لقد اكتسح المرشح «الإخوانى» آنذاك خصمه وهزمه بفارق كبير؛ فمن بين 17302 ناخب مصرى أدلوا بأصواتهم فى قطر، أسفرت نتائج عملية الفرز عن حصول «مرسى» على 14678 صوتاً، فى مقابل 3127 صوتاً فقط حصل عليها «شفيق».
إنه فارق كبير حقاً يُجسّد إلى أى مدى تمتُّع «مرسى» بدعم القطاع الأكبر من المصريين المقيمين فى قطر، وهو الدعم الذى لا يمكننا أن نجزم بانقطاعه وتبدُّده تماماً، كما أننا لا ننوى مناقشته فى هذا المقال ولا تحليل أسبابه، لكننا سنحاول أن نلقى الضوء على تغيير كبير طرأ على طريقة التعبير عنه فى حال كان موجوداً.
لقد أمكننى رصد تراجع واضح ومطرد فى شعبية «مرسى» و«الإخوان المسلمين» بين جماعات من المصريين المقيمين فى قطر، دون أن يعنى هذا طبعاً أنهما باتا بلا أنصار ومدافعين.
ففى مقابل المناقشات حامية الوطيس التى كانت تجرى بيننا نحن الزائرين وبين المقيمين فى قطر من التكنوقراط والمثقفين والإعلاميين المصريين، وهى المناقشات التى كانت تنتهى عادة بتمترس كل طرف عند رأيه، بعد وصلات دفاع عنيدة من جانب مؤيدى «الإخوان» عن الرئيس وأفعاله، باتت المسألة مختلفة تماماً؛ إذ يبدو أن معظم المناصرين التقليديين للحكم «الإخوانى» تخلوا عن محاولة الدفاع عنه علناً على الأقل، وباتوا يفضّلون الصمت، أو مجاراة الآخرين فى آرائهم، وفى أفضل الأحوال محاولة تغيير الحديث.
سيقول قائل إنه: «سيمكننا أن نتأكد مثلاً من تواصل الدعم الرسمى القطرى لنظام (الإخوان) فى مصر من خلال ما نسمعه كل يوم عن لقاءات بين مسئولى البلدين، أو الودائع القطرية فى البنك المركزى المصرى، أو حتى شحنات الغاز. كما سيمكننا أن نتأكد من رصيد (الإخوان) والرئيس بين المصريين المقيمين هنا، إذا استعرضنا نتائج التصويت فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة. لكن كيف سيمكننا القول إن شعبية الرئيس وجماعته تتراجع باطراد، رغم عدم وجود براهين موثّقة أو استطلاعات رأى ذات مصداقية تفيد بذلك؟».
فى الواقع إننى أستطيع أن أقول باطمئنان إن شعبية الرئيس تتراجع، وإن صورة «الجماعة» تتردى بين جماعات المصريين هنا لعدد من الأسباب، رغم إقرارى بأن هذا التقييم سيظل مجرد رأى قابل للدحض، لحين إجراء انتخابات جديدة.
من بين تلك الأسباب مثلاً، فإن عدداً كبيراً من هؤلاء الذين سبق أن أكدوا تصويتهم لـ«الجماعة» ولـ«مرسى» بفخر وانتشاء، باتوا ينفون ذلك، أو على الأقل يبرّرونه فقط برغبتهم فى عدم إعادة إنتاج نظام «مبارك».
السبب الثانى يتعلق بمقولة متكرّرة لدرجة أننى بدأت أعتقد أنه تم توزيعها على قائليها من مصدر واحد، وهى المقولة التى تخلص إلى ما يلى: «لست (إخوانياً)، ولا تعجبنى أفكارهم، ولا أوافق على أداء الرئيس وحكومته، لكن دعنا نتحدث عن.. »..
أما السبب الثالث، فيظهر فى مقولة غريبة جداً بدأت تتردد بانتظام بين كثيرين ممن التقيت بهم؛ حيث يريد أحدهم أن يشير إلى تميُّز أخلاقى لأحد المصريين المنتمين رسمياً إلى «الجماعة»؛ فيقول لك: «فلان (إخوانى) لكنه محترم»، أو «لكنه بيفهم».
ربما ما زلنا بحاجة إلى ما يؤكد هذا الانطباع الذى خرجت به خلال تلك الزيارة إلى قطر، وربما لن يحدث هذا إلا من خلال انتخابات جديدة يصوّت مصريو الخارج خلالها فى أجواء نزيهة، لكننى لا أستطيع فى الوقت ذاته أن أتجاهل أننى لم ألتقِ شخصاً واحداً، من بين من التقيت من المصريين المقيمين هنا، يستطيع «أخلاقياً» أن يدافع عن «مرسى» و«جماعته»، أو يقول إنه صوّت لهما عن اقتناع بفكرهما، فى بلد حصل فيه المرشح «الإخوانى» على نحو خمسة أضعاف الأصوات التى حصل عليها خصمه.
سيخسر «الإخوان» بلا شك، طالما أنهم فقدوا الاعتبار وبدّدوا الأساس الأخلاقى الذى يحتاجه أتباعهم أو أنصارهم ليعلنوا دعمهم لهم علناً.