الحمق أعيا الطبيب المداويا

يوم الجمعة الماضى نظمت جماعة الإخوان مليونية بعنوان «كسر الانقلاب» دعت فيها من جديد إلى إعادة الدكتور «مرسى» للحكم، وعودة دستور 2012، ومجلس الشورى المنحل. وهى ذات المطالب التى ترفعها منذ 4 يوليو الجارى. ولا أريد أن أجادل الإخوان فى تشخيص ما حدث فى 30 يونيو وهل هو انقلاب أم ثورة؟، فبعيداً عن قناعتى فى أن إسقاط «مرسى» تم عبر موجة عاتية من موجات ثورة يناير، إلا أننى كنت ممن أكدوا بعد المائة يوم الأولى من حكم «مرسى» أن الرجل وجماعته «مقلوبين.. مقلوبين»، وكان رهانى الأكبر على أدائهم فى الحكم الذى عكس قدراً كبيراً من الركاكة والعجز عن إدارة شئون البلاد، والتفرغ لأمر واحد فقط هو أمر «الأخونة». كنت واثقاً أن الإخوان «ماشيين.. ماشيين»، إنهم يظنون أن الفريق أول «عبدالفتاح السيسى» ألقى بهم من فوق سطوح السلطة، ولو أنهم راجعوا أنفسهم -بدرجة معقولة من الأمانة- لأدركوا أنهم لم يخرجوا من الحكم «منحورين» بل «منتحرين». والانتحار نهاية كل أحمق!. الحمق.. ذلك الداء الذى أعيا الطبيب المداويا. ذلك المرض الذى لا يريد الإخوان التخلص منه، رغم ما حدث لهم، يكفى لكى تتأكد من ذلك أن تنظر إلى العنوان الذى وضعوه لمليونية الجمعة الماضية التى نحكى عنها: «مليونية كسر الانقلاب». هل هناك عاقل يختار مثل هذا العنوان؟، لو كانت تلك المليونية قد تم الحشد لها لكسر «الانقلاب» كما تزعمون، فماذا ستفعلون فى المليونيات التالية؟.. هل هناك ما يصنع بعد كسر الانقلاب؟. لقد مرت الجمعة دون تنصيب محمد مرسى رئيساً للبلاد من جديد، بل سيطر عليها نفس الأسطوانات المشروخة والمعادة، ولم يبرز بها سوى حادث استشهاد ثلاث سيدات بالمنصورة، ذلك الحدث المؤسف الذى حاول الإخوان المتاجرة به، بعد أن تركوا تجارة الدين، إذ لم يعد لها سوق رائج بمصر بعد أن كشفهم الشعب، وتحولوا إلى تجارة الدم!. على الجماعة أن تعقل الأمور قليلاً، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم «اعقلها وتوكل». سأسير معكم فيما تفكرون فيه، وأفترض -جدلاً- أنكم تستطيعون قطع الطرق، ومحاصرة السفارات الأجنبية، وشل مؤسسات الدولة، ووقف حال الناس، وأن لديكم جيشاً يقتل بشراً عاديين لا ذنب لهم فى سيناء، ويقاتل جنوداً وضباطاً مصريين ينهضون بعبء حراستكم وأهليكم، بينما أنتم تسبونهم فى رابعة والنهضة، أن لديكم أموالاً لتمويل الاعتصامات لشهور طويلة، أن لديكم كوادر تسمع وتطيع لكم وبإمكانها أن تعتصم فى الشوارع والميادين لسنين.. سأصدقكم فى كل هذا وأكثر منه، لكننى أقول لكم إنكم مهما فعلتم فلن يعيد ذلك «مرسى» إلى الحكم. العقل هو الذى يقول ذلك.. لأن المصريين دفنوا تجربتكم فى أسفل قبر.. ولستم آلهة حتى يكون بمقدوركم إحياء الموتى!.