«أبوالفتوح» فقد البوصلة ولهذا أستقيل من حزبه

كامل رحومة

كامل رحومة

كاتب صحفي

كنت أود أن أجعل عنوان رسالتى «مات ليحيا خالداً.. وعاش لنموت كمداً»، إلا أننى اخترت عنوان «مات المسيرى.. وعاش أبوالفتوح.. وصرت وحدى شريداً» لاعتبارات صحفية.. فهذا عهد بالمحبة لكل ميت؛ وبالفراق بينى وبين كل من أراد أن يعيش.. والمجد كل المجد لمن يموت حياً، إذ يحييه الله حياة طيبة.. ثم أما بعد. قد لا أبلغ حداً من حدود اللامعقول حين أقول -فيما أظن- إنى حزنت على فراق المسيرى أكثر من حزنى على فراق المعقول للمنقول فى أيام مصر الحزينة، ولا تدركنى المبالغة فى القول؛ حين قولى: إن التجديد لا يُنتزع من الأرض انتزاعاً، إنما ينقطع بقبض أمثال المسيرى. ولما أسفر الفجر، ولاحت (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)؛ قلت وقال الأحرار معى: هذه إحدى تجليات المسيرى.. يا ليته كان بيننا.. يا ليتنا أسرعنا الخطى ليرضى.. لو كان حياً بيننا لكان وكان.. يا خسارة مصر من فوات حظها فى وصل عشيقها الذى فقدته قبل ضجة العرس المقام.. لكن حدث ما أغنانى الله به عن ظلمة تصورى بتنوير من قبس مقولات الشاعر «عبدالرحمن يوسف» حين قال: «إن الله سبحانه وتعالى قد رحمنا حيث شاءت إرادته أن يرفع بعض أساتذتنا ورموزنا إلى جواره، وأن يعفينا ويعفيهم من اختبارات كثيرة ربما لو عاشوها لكانت صورتهم قد اهتزت، تماماً كما حدث مع رموز أخرى، كنا نجلها ونقدرها، واليوم ينظر لها كثير من الناس بشكل آخر هو على العكس تماماً من النظرة القديمة الممتلئة حباً واحتراماً».. ثم أتبع قائلاً: «رحمك الله يا دكتور عبدالوهاب، عشت عالماً، مناضلاً، ورحلت قديساً، يحترمك الجميع، وشاء الله أن تبقى هكذا فى ذاكرتنا، لا يعتبرك أحد عدواً له بسبب استقطاب زائل، أو بسبب انتماء حزبى ضيق، أو بسبب ترشح لبرلمان أو رئاسة، أو بسبب عضوية مجلس رئاسى، أو بسبب مقالة أو اجتهاد لا يروق لأهل اليمين أو أهل اليسار».. (انتهى). فقلت لنفسى حين قولى لقومى (فقومى هم نفسى ولا شك): صدق عبدالرحمن، وصدق موت المسيرى؛ فإنه مات ليحيا خالداً لما قضى نحبه.. وعاش أساتذة لى ما زالوا ينتظرون، ويُختبرون، فيصيبون أو يخطئون؛ ومنهم ولا شك رئيس حزبى الذى اخترته راضياً «د. عبدالمنعم أبوالفتوح». فعلى صعيد آخر من نفس السياق؛ آلمنى ما نلت من كثير من أبناء بلدى أن ينتمى شخص مسيرى النزعة إلى الحزب الرمادى الطرى، فكتبت مقالاً فلسفياً (متجاوزاً به سوء سمعة الرمادية كمصطلح) عن فلسفة الرمادية العادلة فى تبنى التوازن الذى هو أصل العدالة؛ إذ كيف ينحاز القاضى إلى أحد المتخاصمين، ويدعى أنه يبغى إقامة العدل فى الأرض؟ وتبنى الوسطية والاعتدال الذى هو أصل التراحم بين الناس؛ إذ كيف يكون الرجل رمادياً حين يوفق بين أمه وزوجته المختلفتين على الحظوة به فيرضيهما ولا يظلمهما، بل ويكون جسراً بينهما؛ يلتقيان عنده؟ وهى الأفكار الأم لفكرة «الاصطفاف الوطنى» دون استقطابات التى ينحاز لها حزب «مصر القوية»، والتى جعلت شخصاً مسيرى النزعة يؤمن بفكرة المسيرى العميقة «الإنسانية المشتركة» التى تجمع الناس على اختلافاتهم، وهى متوافقة مع أفكار النسق الإسلامى فى عبق قول الله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) [الروم: 22]، وقوله: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) [الحجرات:13]، وهى غير فكرة «الإنسانية الواحدة» الغربية التى تنمط الكل فى نمط واحد. ما سبق يبين لكم كيف تبنيت طريقتكم راضياً.. ولكن هيهات هيهات أن يفقد من إلى المسيرى ينتمى بوصلة الوطن.. لذا أقولها قولة يعجز الشيطان عن تلبيسها: عفواً سيدى الفارس النبيل (الذى لا أشك فى فروسيته ولا فى نبله) ضاعت منك البوصلة، فأنا لا أشك أن الله سوف يجازى كل مجتهد من غير هوى ولا تشهٍّ أجراً واحداً، ولو كان فى اجتهاده من الخاطئين؛ لكننى أشك أن ينال أجراً من يرى خطأ المجتهد ويتبعه على خطئه؛ لأن اصطفافكم الوطنى قد انحاز للاستقطاب تحت زعم شرعية نصوصية لا تؤمن بمقاصد الشرعية، فالشرعية لها حقوق، وعليها واجبات كما يدلل ميزان الكون بفضيلتى التوازن والوسطية، قد انحاز لمن لا يعرف الوطن ويقول فى أدبياته التى تنطق بها أشعاره الغنائية: «لا نؤمن أبداً بحدود.. لا نخضع أبداً لقيود»، وكذا يقول: «أنا عالمى ليس لى.. أرض أسميها بلادى».. كان الوطن جديراً أن يعلمك ألا تشتاق، وأن تقص جذور هواك من الأعماق.. فليتنفس كل من يشاء تحت الماء وحيداً.. أو على الأقل بدونى؛ فأنا أحب هذا الوطن حسبة لله، وقد نويت فى الطور الثانى من ثورة 25 يناير أن أنحاز لثقافة المصريين العميقة الذين يفضلون الخبّاز الذى يأكل نصف خبيزهم على من لا يؤمن بحرمة الخبيز ولا الحرية ولا العدالة الاجتماعية؛ وهكذا فى 30 يونيو فعلها الشعب المصرى.. لذا أعلن استقالتى من الجهاد فى حب الوطن على طريقتكم، شاكراً لكم حسن الصحبة فيما مضى، متمنياً لكم دوام الصحة والعافية فيما هو آت.. وعاشت مصر قوية غير مترددة. عضو مؤسس فى حزب مصر القوية