توحد التيار المدنى (1-2)

إن لم يتوحد التيار المدنى المرتبط بالثورة فى هذه اللحظة الفارقة ليملأ الفراغ السياسى الكبير الذى تعيشه البلاد فى الوقت الراهن، فعلى مستقبل هذا البلد السلام. فرغم أن الطليعة التى أطقت ثورة 25 يناير تنتمى إلى «التيار المدنى» فإن نصيبه من «الشرعية الدستورية» لم يتناسب مع ما له من «الشرعية الثورية» وذلك وفق النتائج التى أسفرت عنها الانتخابات التى شهدتها مصر عقب الثورة وكذلك الاستفتاء على التعديلات التى تم إدخالها على الدستور، وانتخابات الرئاسة التى أوصلت مرسى إلى الحكم، لتعيش مصر معه سنة صعبة بكل المقاييس. وقد خرج التيار المدنى من الموجة الأولى للثورة دون أن يتخلص من أمراضه التى عانى منها فى العقود التى خلت، مثل غياب التنظيم القوى، سواء عبر الأحزاب أم الحركات الجديدة، وعدم وجود شبكة اجتماعية راسية على الأرض من لحم ودم ومصالح مادية ومعان ورموز وقيم، وضعف التمويل وتهالكه. كما أن الأحزاب المدنية التى رأت النور فى ركاب الثورة، لا تزال هشة وبلا قواعد جماهيرية عريضة، وفشلت، حتى الآن، فى استغلال النزوع الشديد إلى المشاركة السياسية الإيجابية عقب الثورة، وبعد موجاتها الثلاث. فملايين المصريين انشغلوا بالسياسة وقضاياها بعد أن تم تغييبهم عن هذه الدائرة، وسعى كثيرون إلى تحصيل معرفة بكل ما يخص المجال العام على اختلاف المسائل والقضايا التى تشكله، وكانوا ينتظرون على باب الرغبة فى الانخراط داخل الأحزاب السياسية، لاسيما الجديد منها، لكن الأخيرة لم تكن تمتلك خطة للتعبئة والحشد، لذا بقيت على حالها من التكلس والضعف. وهذا العيب لا يقتصر على الأحزاب المدنية فحسب، بل يمتد إلى الأحزاب الدينية أيضاً. فرغم أنها حازت أغلبية فى البرلمان إلا أن حجم عضويتها لا يزال أقل بكثير من تمثيلها السياسى، وهى اعتمدت فى تحصيل الأغلبية على المتعاطفين معها والقدرة على إقناع المترددين للتصويت لها، أكثر من اتكائها على الأعضاء العاملين بها. وهذه الشعبية تراجعت بمرور الأيام، وتصل الآن إلى أدنى مستوياتها بفعل ما يرتكبه الإخوان من أعمال عنف ضد المواطنين. ويعانى التيار المدنى أيضاً من تدنى خبرته فى التعامل المباشر مع الشارع. فقد حوصر المدنيون فى مراكز انطلاقهم، ووضعت السلطة بينهم وبين الناس جداراً سميكاً، ليتحولوا إلى تجمعات ضيقة تتآكل تدريجياً. واستسلم التيار المدنى لهذا الحصار، الذى حماه ووضع إجراءاته الصارمة قانون الطوارئ البغيض، وبذلك افتقد بمرور الوقت أساليب وآليات الالتحام بالناس، وربطهم برموز هذا التيار من خلال علاقة الوجه للوجه، وليس من خلف الكاميرات أو بين سطور الكتب والصحف والمجلات. كما يعانى التيار المدنى من التشرذم، إذ إنه يبدو عاجزاً أو متراخياً، حتى الآن، فى توحيد صفه، وتجميع قواه. وقد ظهرت هذه النقيصة فى انتخابات مجلسى الشعب والشورى والرئاسة والاستفتاءين على الدستور، فبينما كان الإخوان والسلفيون ينافسون عبر كتلتين محددتين على «القوائم» ولهم مرشحان اثنان فقط فى الدوائر الفردية، أحدهما عن «الحرية والعدالة» والثانى عن «النور»، فإن التيار المدنى خاض غمار الانتخابات مبعثراً، فى أكثر من قائمة، وكان العشرات من بين المنتمين له يتنافسون على كل مقعد بالنسبة للفردى. وأدى هذا العيب، إلى جانب عوامل وأسباب أخرى، إلى تدنى حصاد المدنيين من مقاعد البرلمان بغرفتيه. ( نكمل غداً إن شاء الله تعالى).