دليل المسلم الحزين (2)

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

الضجة التى أثارها كتاب «دليل المسلم الحزين» الذى كتبه المفكر حسين أحمد أمين عند صدوره منذ ثلاثين عاماً كانت لها عدة أسباب، أولاً: الأفكار الجريئة التى طرحها الكتاب والتى كانت بمثابة الصدمة لمجتمع تسللت إليه الفكرة الوهابية نتيجة هجرة المصريين إلى السعودية والخليج وصار لها أنصار ومريدون، ثانياً: التوقيت الذى صدر فيه الكتاب فى قمة موجة الإرهاب والاغتيالات التى تقوم بها جماعات التأسلم السياسى ضد الساسة والمفكرين، ثالثاً: خلفية مؤلف الكتاب ذات الجذور الغربية والتى اعتبرها البعض بداية مؤامرة علمانية صليبية غربية... إلخ برغم أن حسين أمين كان يجمع إلى جانب الثقافة الغربية الموسوعية إلماماً عظيماً بالتراث ومعرفة عميقة بأسرار وكنوز اللغة العربية، وهذا هو السر الحقيقى فى انزعاج المتأسلمين من هذا المحلل الهادئ صاحب اللغة الرصينة والنظرة الثاقبة، وفوق ذلك هو كاتب متمكن خدش هذا الكهنوت وفك شفرته ولا يستطيع أحد الادعاء بأنه جاهل بأمور دينه ومتآمر عليه.. إلى آخر تلك الكليشيهات والاتهامات الجاهزة. الكتاب يطرح الأسئلة المسكوت عنها فى الفكر الإسلامى والتى تأخر وتلكأ المسلمون فى الإجابة عنها حتى هذه اللحظة، ولذلك تأخر قطارهم عن الوصول لمحطة التحديث والإبداع والحضارة وصاروا الآن، وللأسف، كالنتوء فى جسد العالم، السؤال الأول عن صفاء الدين وهل ما نمارسه الآن أو فكرتنا الآن عنه هى فعلاً صميم وجوهر الدين؟ يجيب حسين أمين بأن الدين أضيف إليه وأُقحم عليه صراع فرق وشيوع خرافة وحرص على إقصاء ولاة وتأويل زائف واختراع أحاديث، ويثير المؤلف قضية التاريخ وكتب السيرة ويصدم القراء بأن كتب السيرة الأولى الأصلية لم تصلنا وهى كانت الأصدق، وما وصلنا من كتب سيرة معظمه كان قد كُتب بعد الفتوحات وصار الموالى هم كتّاب التاريخ، وامتلأت تلك الكتب بالمعجزات المخترعة نتيجة الجدل بين ثقافة الفاتحين وثقافة أهل البلد والمعجزات التى كانوا يؤمنون بها، ومثلما تلونت كتب التاريخ بالصراعات السياسية امتد التأثير والصراع أيضاً إلى كتب الحديث، وهذا يُعد من أخطر التأثيرات على الفكر الإسلامى ومن أهم أدوات التنافس بين الفرق والمذاهب حتى هذه اللحظة التى نعيشها، فعلى سبيل المثال نجد تأثير الشيعة فى أحاديث مثل: «من كنت مولاه فعلى مولاه»، و«من آذى عمى فقد آذانى»، و«إذا رأيتم معاوية على منبرى اقتلوه»، ووصف مروان بن الحكم بالملعون بن الملعون... إلى آخر تلك اللعنات على الأمويين. وعلى العكس نجد التأثير الأموى فى مثل تلك النصوص: «لا تمر الأيام والليالى حتى يملك معاوية»، ودعوة الرسول لمعاوية أن يمكنه فى البلاد. وقد وصل التشويه الأموى لعلى إلى والده أبى طالب والذى أثاروا قضية دخوله الجنة أم النار وقالوا إن مقعده فى النار، ويقول المؤلف إنه كلما اشتد الصراع السياسى ظهرت حاجة الحاكم لبعض الأحاديث التى تعضده وتشد من أزره وتعينه على منافسيه وتكون سلاحاً معنوياً له فى الحرب مثلما فعل عبدالملك بن مروان عندما أراد صد الناس عن الحج إلى مكة حتى لا يؤثر عليهم عبدالله بن الزبير فطلب من الزهرى اختراع حديث يبيح ويساوى بين شد الرحال إلى مكة وبيت المقدس! نستكمل غداً قراءة «دليل المسلم الحزين».