فقراؤنا أغلى ما فى الوطن

متعففون لا يسألون الناس إلحافاً، يعيشون فى صمت وسكون، انفصلوا عن واقعنا المزدحم بالأشياء والأحداث، وارتضوا لأنفسهم الانعزال والانشغال بالبحث عن لقمة العيش وقوت الأبناء، أقل الأشياء تسعدهم وتبهجهم، ولو كانت زيادة فى معاش أو مرتب عبارة عن عشرات من الجنيهات، لا يأكلون ما نأكل، ولا يشربون ما نشرب، ولكن القليل يكفيهم، ويقنعون أنفسهم بما استطاعوا الحصول عليه. شراء الملابس الجديدة، ولو مرة واحدة فى السنة، هو عيد لهم ينتظرونه كل عام، وربما تعثروا فى بعض الأعوام لقلة الحيلة وقصر اليد فعكفوا على ملابسهم القديمة يصلحونها ويهيئونها لتكمل معهم عاماً جديداً، لا يذهبون للمطاعم الفاخرة ولا الكافيهات الحديثة، فما سيدفعونه فيها قد يتجاوز كل دخلهم الشهرى الذى يعيشون به، وسائل الترفيه لديهم بسيطة، فقد تكون تمشية على كورنيش النيل بصحبة كيس من الترمس أو الفول السودانى، وإذا اشتاقوا إلى البحر ركبوا أرخص قطار للإسكندرية وبحثوا عن الشواطئ المجانية، التى ندرت هذه الأيام، وفرشوا ملاية وافترشوا الأرض ليستمتعوا بالبحر وشمسه، وإذا ما قرروا المبيت فإنهم يلتحفون السماء ويحضنون الأرض وينامون عليها حتى الصباح؛ لأنه ليس بمقدورهم أن ينزلوا بفنادق ولا يقوموا بتأجير شقق، وفى الوقت نفسه يريدون الاستمتاع بالبحر. لم يعرفوا يوماً الطريق إلى الساحل ولا مارينا ولا بورتو ولا شرم، فهذه أشياء يرونها فقط فى المسلسلات والأفلام ويحلمون بها فى الجنة بعد انقضاء الحياة، يقفون فى محطات الأتوبيس ينتظرون الأتوبيس العام ذا التذكرة الأقل سعراً من الأتوبيسات الخاصة التى لا يستطيعون دفع تذكرتها المرتفعة. يفطرون على عربات الفول وليس فى الماريوت أو كافيهات ومطاعم الأغنياء، يقفون فى طوابير الخبز الممتدة ليحصلوا على رغيف ردىء يتقوتون به ويستغربون ممن يشترون الخبز الشامى والرغيف ذا الخمسين قرشاً فقد يكون ثمن الرغيف الواحد هو جل ما يعيشون به فى يومهم. لم يذهبوا يوماً إلى كارفور أو سبينس أو هايبر، وإنما يتسوقون من السوق ويبحثون عن أقل الأسعار حتى لا تضطرب ميزانية شهرهم، لم يذهبوا يوماً للمستشفيات الخاصة، التى لا يملكون نفقاتها، وإذا ما مرضوا فإنهم يتنقلون بين المستشفيات الحكومية، التى لا يجدون فيها العلاج، وإذا ما يئسوا ظلوا فى بيوتهم مستسلمين لقدر الله إما أن يشفيهم أو يريحهم من هموم الدنيا وبؤسها أفراحهم بسيطة لا يعرفون المهر الباهظ ولا الشبكة السولتير، وإذا حان وقت زواج بناتهم تعاملوا بالقسط والقروض واشتركوا فى جمعية يقبضون أولها حتى يستطيعوا توفير نفقات جهاز بناتهم، يبحثون عن الستر ولا سواه، أحلامهم بسيطة كعيشتهم وصبرهم يتجاوز حدود العقل البشرى فقد وطّنوا أنفسهم على الصبر والرضا واليقين، ولسان حال كل واحد فيهم يقول «رب إنى لما أنزلت إلىّ من خير فقير». يعيشون فى صمت ويموتون فى صمت، يعشقون الوطن ويتمنون أن يهبهم ما يحلمون به، ولكن العمر قد لا يمنحهم الفرصة، والوطن قد لا يشعر بهم، وتمضى الحياة بصخبها لا تقترب منهم، يزيد ألمهم وتبكى عيونهم ويطول صبرهم ويبقى صمتهم وعفافهم ويظلون فى الوجدان والواقع أغلى ما فى الوطن.