إلى يوسف إدريس فى ذكرى ميلاده (3)

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

أهم التابوهات التى كسرها يوسف إدريس فى قصصه تابو الجنس والذى أعتبره من أهم إنجازاته الفنية، فهو على مستوى الكيف والكم أهم كاتب عربى اقتحم عالم الجنس بجسارة، واستطاع التوغل فى حقل ألغامه الشائك والمدمر، فالجنس عنده لم يكن فيلم بورنو يحرك الغرائز ولكنه كان فلسفة ورؤية، ونقطة الضعف التى استطاع النفاذ منها ليكشف لنا السوس الذى ينخر فى هذا البناء المهيب، والزيف المستتر وراء الوقار المصنوع، والعفن الذى يعشش خلف كل هذه الأطنان من الأوامر والنواهى الأخلاقية والمحاذير والمحظورات النابعة من الأعراف والتقاليد، فها هى «عزيزة» فى الحرام يدينها المجتمع الذى ضنَّ عليها بـ«جدر البطاطا» فكان المغتصب الأول لجسدها وروحها، وتلك «فاطمة» فى «حادثة شرف» التى كشف الجميع على شرفها واختزلوه فى مجرد غشاء رقيق، وعندما اطمأنوا إلى أن «الشرف منصان» كانت هى قد بدأت رحلة الخطيئة الحقيقية، أما «سناء» بطلة «العيب» فبعدما اقتنعت بالرشوة صار سهلاً لديها بيع الجسد بعد نخاسة الضمير. و«شهرت» فى قاع المدينة، و«فتحية» فى «النداهة» اغتصبتهما المدينة ففقدتا البكارة بمجرد الدوران فى ترسها الفتاك. والجنس عند يوسف إدريس ليس عملية ميكانيكية غريزية بل هو انتصار فى بعض الأحيان على الموت كما حدث فى قصته «العملية الكبرى» التى مارس فيها الطبيب الجنس مع الممرضة وبجانبهما ترقد جثة تحتضر، وفى أحيان أخرى يتغلب على اختلاف الدين كما فى قصة «جيوكندا مصرية» التى أحب فيها الصبى المسلم فتاته المسيحية «حنونة»، وفى «مسحوق الهمس» يتغلب الجنس على جدران السجن، وفى «دستور يا سيدة» يتغلب على حاجز السن، أما فى درته الفريدة «بيت من لحم» والتى أعتبرها أنا شخصياً إنجيل القصة القصيرة، فالجنس فيها يعربد فى جو مريب من الصمت والتواطؤ مكتسحاً فى طريقه كل الأعراف والتقاليد، فزوج الأم الأعمى يمارس الجنس مع الأم وبناتها العوانس والكل يعرف والكل لسانه ملجم، والمدهش أن الكل متسامح برغم بشاعة الفعل، البيت يعربد فيه الجوع إلى الحياة والجوع إلى الرجل وإلى لحظة صدق لن تتحقق لأنها لو تحققت لحدث الزلزال، فكانت الصفقة والمعادلة، الصمت مقابل المتعة، والطناش فى سبيل بقاء البيت الذى تكوّم فيه اللحم واهترأت فيه الأرواح. جميع مشاكل وسقطات يوسف إدريس ترجع إلى كونه وُلد نجماً منذ اللحظة الأولى، فى أغسطس سنة 1954، أغسطس هذا الشهر الذى كان قدره، ففيه صدرت مجموعته القصصية الأولى «أرخص ليالى» وفيه دخل المعتقل وفيه أيضاً ودّعنا فى بلاد الضباب بعيداً عن وطنه، ظل يوسف إدريس يعيش وسواساً مزمناً كيف يحافظ على هذه النجومية التى ليست نجومية الكاتب ولكنها نجومية فتى الشاشة! والمدهش أنه ظل وهو نجم النجوم يبحث عن الاعتراف الرسمى والإنصاف الذى يحمل ختم النسر فى بعض الأحيان، كان يغيب عن ذهنه ملامح العلاقة المركبة ما بين الكاتب والسلطة التى فى أغلب الأحيان تحترم الكتبة وتمقت الكتّاب!! ظل يبحث عن ذلك الاعتراف بدأب وإصرار عجيبين حتى اكتملت الميلودراما حين وصلته جائزة الدولة التقديرية وهو على فراش الموت. وأعتقد أن هذا يفسر قبوله لجائزة صدام ورفضه لأن تكون مناصفة ويفسر قبلها أيضاً حملته الشعواء على نجيب محفوظ لحصوله على جائزة نوبل، فالنرجسية هى أخطر أمراض الفنان وأيضاً أخطر نقاط قوته، ولكنها عند مثقف العالم الثالث الذى لا يقرأ أصلاً تتحول إلى ورم سرطانى أراد يوسف إدريس أن يكون أول من يحصل عليها من كتاب القصة القصيرة وغضب لأنها لن تأتى لعربى آخر قبل ثلاثين عاماً. كان يكره التخطيط والمعمارية الصارمة وضبط الوحى على عقارب الساعة والتى كان يمارسها نجيب محفوظ، فهو ابن الحالة المزاجية فى الكتابة والتلقائية والرفقة الواحدة والشخصيات التى تتراقص بجنون على الورق وترفض سجن المعمار ومقاييس المسطرة والبرجل ولهذا نجح فى القصة القصيرة ولم ينجح بنفس التألق فى الرواية أو لنقل بالأصح كانت رواياته قصة قصيرة «طالت منه»؟ طالب محمد مستجاب ذات يوم بتكوين جمعية لحماية يوسف إدريس، وكنت لا أشاركه فى طلبه هذا، فأروع ما فى يوسف إدريس هو هذا الطيش الناتج عن مخزون صدق هائل يكفى الكون وهذا الجنون المعبر عن تمرد وعدم قدرة على الانسجام والتلاؤم مع قبح هذا العالم وزيفه وهذا الاندفاع اندفاع الواثق من أن عمره لن يمتد ليحقق كل ما يريد، وبالفعل قد تحققت النبوءة، ففى مطلع أغسطس 1991 توقف القلب العليل المسكون بأوجاع الوطن وانفجر المخ الذى كان مضبوطاً على أعلى فولت حباً لتلك المحروسة التى دائماً ما تحوّل أحلام عشاقها إلى كوابيس وحياتهم إلى سلسلة لا نهائية من الضنى والعذاب.