وجع فى «قلب» إسرائيل

كتب: محمود عبدالرحمن

وجع فى «قلب» إسرائيل

وجع فى «قلب» إسرائيل

أخيراً عرفت الدموع طريقها للعيون الوقحة.. تلك التى طالما تفاخرت وتباهت بقدرة الجيش «الذى لا يقهر»، ولا تأتيه الهزيمة من بين يديه ولا من خلفه، أخيراً ذاق القادة المتغطرسون طعم المرار، تجرعوا الخيبة والانكسار، أُجبروا على ترك مواقعهم العسكرية فى سيناء بعد أن دكها فوق رؤوسهم أسود الجيش المصرى، «خط بارليف»، و«الساتر الترابى»، و«النقاط الحصينة» كلها تهاوت تحت أقدام جنود صغار جاءوا من قرى مصر قبل مدنها، واحد منهم ساق أمامه العقيد «عساف ياجورى» قائد كتيبة الدبابات أسيراً.. آخر أطلق رصاصته فأصابت الجنرال «ألبرت مندلر» لترديه قتيلاً، وضابط «لا سلكى» التقط صرخات واستغاثات الإسرائيليين بعد 5 دقائق فقط من بداية الضربة الجوية.. رئيسة الوزراء «جولدا مائير» أطلقت صيحتها الشهيرة «إلحقينى يا أمريكا» فلحقتها بإرسال الطائرات والدبابات عبر الجسر الجوى الشهير. «الوطن» تفتح ملف «النكبة» التى عاشتها إسرائيل فى أكتوبر 73، ترصد ملامح انتصارنا فى هزيمة أعدائنا، تهمس فى آذانهم «أينما تكونوا يدرككم الجيش المصرى، ولو بعد 42 عاماً كاملة».

{long_qoute_1}

عقارب الساعة تشير إلى الثانية من ظهيرة يوم 6 أكتوبر عام 1973، دقائق معدودة مرت قبل أن تنطلق أسراب طائرات الجيش الإسرائيلى صوب قناة السويس فى تجمعات غير منتظمة، يصاحبها تشديدات أمنية مكثفة من قبل أفراد «الاحتلال» الذين أصدروا تعليماتهم المباشرة عبر مكبرات صوتية حملتها عربات نصف نقل طافت بين منازل أهالى سيناء، لإخبارهم بحظر التجوال إلا فى أضيق الحدود وبعد أخذ موافقة قائد الكمين الأقرب لهم.

{long_qoute_2}

«شىء ما يحدث».. هكذا جاء تفسير الشيخ حسين على أبوحسونة، أحد أهالى مدينة بئر العبد، التى تبعد عن مدينة العريش بـ80 كيلومتراً، خمّن أن هناك حرب استنزاف جديدة قد نشبت بين الجيشين المصرى والإسرائيلى، سأل نفسه مستنكراً «ما الفائدة من ذلك سوى وقوع خسائر فى المال والبنين، لم تعد القوات المسلحة المصرية تتحملها»، راح يفكر فى أن الأمر لن يعدو أن يكون عرضاً عسكرياً اعتادت قوات الاحتلال القيام به كل فترة زمنية كنوع من استعراض القوة، لتوصيل رسالة إلى أهالى سيناء المتعاونين مع القوات المسلحة المصرية، مفادها أن سيناء باتت فى قبضتهم بلا عودة.

{long_qoute_3}

فى منزله بمدينة بئر العبد، يجلس الشيخ، الذى كان شاباً وقت الأحداث، يتذكر تفاصيل حرب أكتوبر لحظة بلحظة كما عاشها قبل أكثر من 40 عاماً، يروى الشيخ كيف كان وقع الهزيمة على القوات الإسرائيلية التى كانت تحتل بئر العبد كما تحتل غيرها من مدن وقرى سيناء.. «أبوحسونة» كان يعمل ضمن قافلة «الراداريين» التى أنشأتها المخابرات المصرية فى محاولة لرصد أخبار وتحركات الإسرائيليين بالاستعانة بأهالى سيناء. حاول «أبوحسونة» تفسير طلب بعض الضباط المصريين منه ومن زملائه بنقل كل صغيرة وكبيرة تحدث داخل مدينة بئر العبد والمنطقة المحيطة بها قبل ذلك اليوم بفترة وجيزة، لكن أموراً كثيرة التبست عليه، وعندما سجلت الساعة الثالثة وتسع دقائق عصراً من يوم 6 أكتوبر 1973، تمكن «أبوحسونة» من الوقوف على الحقيقة، بعدما رأى بعينه طائرة إسرائيلية تسقط فى المنطقة المحيطة بمنزلة إثر اشتباك قتالى، وسقوط طاقمها قتلى بداخلها، بعد عودتها من اتجاه منطقة قناة السويس، فى أسراب غير منتظمة، بخلاف اضطرار عدد آخر من الطائرات للهبوط فى الطرق العمومية خارج المهابط الرسمية المحددة لها.

بيان رسمى فى قنوات التليفزيون المصرى والراديو، أكد دخول مصر فى حرب مصيرية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلى، وتمكن القوات المصرية الباسلة من استعادة بعض أراضى سيناء من قبضة الإسرائيليين، أعقبها سماع أهالى مدينة بئر العبد، والقرى المحيطة بها، دوى سلسلة من الانفجارات وأصوات قنابل وطلقات رصاص، ظهر صداها على جنود الجيش الإسرائيلى. وقف «أبوحسونة» ليشاهد الجنود وهم يحزمون أمتعتهم القتالية على ظهورهم ويأخذون أماكنهم المحددة لهم فى نقاط التفتيش والأكمنة، ولكن وصول عدد من قيادات الجيش الإسرائيلى لتفقد مناطق تمركز جنودهم، كان الخيط الأهم الذى أمسك به «أبوحسونة» للتأكد من اشتعال الحرب ووصولها إلى ذروتها حيث يقول: «التوتر كان يعلو وجوه الجنود الإسرائيليين المتمركزين على أكمنة طريق العريش الرئيسى والشوارع الفرعية، ولعل ذلك كان السبب فى حشد إسرائيل لقوات قتالية إضافية اصطفت بطول الطريق على مدار الـ24 ساعة، وتجلت تلك الحالة بصورة أوضح بعدما رأينا بأعيننا عدداً من الجنود الإسرائيليين مصابين بجروح خطيرة جاءوا إلى مستشفى ميدانى أقامه أفراد الاحتلال بشكل سريع، بخلاف أعداد كبيرة متوفاة نقلتها طائراتهم الحربية فور وصولهم إلى أقرب مكان يبعد عن تمركز خط الدفاع الأول للجيش المصرى».

برأسه التى يعلوها الشيب يعود سالم مبارك سلمان، الابن الأكبر للشيخ مبارك أحد مجاهدى «منظمة سيناء»، إلى الوراء، يتذكر ما يسميه «حالة من الارتباك والتوتر» التى يقول إنها سيطرت على المنطقة التى تبعد عن قناة السويس ببضعة كيلومترات، من ناحية قرية جلبانة التابعة لمدينة بئر العبد بشمال سيناء، والتى تحولت إلى خلية نحل من الجنود والقادة الإسرائيليين الذين تخلوا عن أماكنهم القتالية على ضفة القناة وتراجعوا للخلف بعد تقدم الجيش المصرى، فظهر بعضهم حفاة بنصف ملابسهم فقط وبدون سترتهم العسكرية، يقول: «بعد ساعات من إعلان بدء الحرب شاهدنا طائرات إسرائيلية تهبط على الطرق العمومية لنقل جنود الاحتلال إلى إسرائيل، وقاموا بإشعال النيران فى العشش التى كان يسكن بها هؤلاء الجنود طوال فترة وجودهم فى سيناء قبل أن يتركوها، حتى لا يقوم الأهالى بحرقها ومن ثم تكون وصمة عار جديدة فى جبينهم، وبعد ما يقرب من 24 ساعة فقط، عادوا مرة أخرى بعد توقف الحرب، وتمركزوا على بعد أمتار من حدود خط الدفاع الأول للقوات المصرية عند قرية الخربة».

كان عمر «سالم» لا يتجاوز 21 عاماً وقت إعلان بدء الحرب، كان مكلفاً وقتها مع غيره من قبل قيادات منظمات الجهاد السيناوية بصناعة أسلاك من المسامير والحديد المدبب وزرعها فى طريق عبور الدبابات الإسرائيلية لتعطيل سيرها وشلها عن الحركة، وفى صباح اليوم السابع من أكتوبر بعد وصول أنباء عن توقيع هدنة بين الجيشين المصرى والإسرائيلى، شاهد «سالم» قائدى الدبابات الإسرائيلية وهم يوقفون دباباتهم بظهرها ناحية خط دفاع الجيش المصرى استعداداً للهروب إلى عمق سيناء فى حالة تجدد القتال مرة أخرى، وعندما ذهب إلى والده وقص عليه ما رأى أخبره بأن استمرار وجود الإسرائيليين فى أراضى سيناء المصرية أصبح مستحيلاً، وسوف ينتهى خلال أيام قليلة.

سرعان ما تغيرت طريقة تعامل جنود الاحتلال مع أهالى سيناء إلى الأفضل، بعد توقف القتال بعدة أيام وقبول الطرفين للهدنة، على حد وصف «سالم»، الذى أرجع ذلك إلى رغبة الإسرائيليين فى كسب تعاطف العائلات والقبائل السيناوية بعد قرار الفصل الذى كان يتيح للأهالى الانتقال إلى الجهة التى يرغبون فى العيش فيها، سواء المنطقة التى يسيطر عليها الجيش المصرى، أو الأراضى التى لا يزال الاحتلال يضع يده عليها، مع ضرورة تحقيق كلا الجانبين رغبة الأهالى فى حالة اختيارهم منطقة بعينها، ولكن البيان الذى أصدره شيوخ القبائل السيناوية وقتها بأن «كل حبة رمل ونقطة دم فى سيناء مصرية حتى النخاع» أنهى تلك المعاملة الحسنة، وأعاد أفراد الاحتلال إلى ما كانوا عليه قبل الحرب، بعدما فشلوا فى استمالة الأهالى.

«كنت بعرف حجم الانتصار اللى جنودنا محققينه من السواد والانكسار اللى كان مالى وشوش الجنود الإسرائيليين اللى كانوا موجودين معانا فى العريش»، يقولها الشيخ عيد الأحمدى أحد أبناء سيناء الذين كانوا مكلفين من قبل جهاز المخابرات المصرية بمد قادة الدفاع المصريين الموجودين فى سيناء بتحركات وتنقلات الجيش الإسرائيلى، يقول إنه لم يكن لديه أى معلومات عن احتمالية وقوع حرب فى هذا التوقيت، ولم يستشعر فى كلام الضباط المصريين أى احتمالية لبدء القتال، على الرغم من تزايد طلب عناصر المخابرات المصرية على جمع المعلومات الصغيرة والكبيرة، لكنه فوجئ بأفواج من الطيران الإسرائيلى تتجه صوب قناة السويس، الأمر الذى زاد من قلقه خشية أن يكون ذلك بداية توغل جديد لإسرائيل فى الناحية الأخرى للقناة باتجاه مدينتى الإسماعيلية وبورسعيد، ولكن تلك المخاوف سرعان ما تبددت بعد مشاهدته لتلك الأفواج مرة أخرى أثناء عودتها، وسقوط غالبيتها فى بحيرة البردويل ووفاة طواقمها.

حاول أفراد الجيش الإسرائيلى إخفاء انكسارهم أمام مئات السيناويين الذين وقفوا لمشاهدتهم أثناء ركوب الطائرات التى تنقلهم إلى إسرائيل، وهم مصابون وفى حالة يرثى لها، من أثر الاشتباك مع الجنود المصريين، طبقاً لرواية الرجل السبعينى، فكانوا يطلقون الأعيرة النارية فوق رؤوس الأهالى لإرهابهم ولكى يجبروهم على الانصراف، وهو ما لم يحدث، حيث استمر الأهالى فى متابعة تلك المشاهد التى كانت تشفى غليلهم بعد احتلال دام تسع سنوات كاملة.

مشاعر القلق والتوتر تجددت فى قلوب ومشاعر السيناويين مرة أخرى بعد أيام من توقف إطلاق النار، حيث يقول «عيد» إن تردد أنباء عن حدوث ثغرة الدفرسوار كانت محل شك لدى كثير من السيناويين، الذين كانوا يأملون فى أن تكون غير صحيحة ومجرد شائعات، ولكن ظهور جنود جيش الاحتلال وفى أيديهم علب سجائر «كليوباترا» كانت رسالة منهم للسيناويين تفيد بتمكنهم من الدخول لقلب مدينة الإسماعيلية والتبضع منها، وهو ما كان له أثر سيئ على نفوس غالبية الأهالى الذين كانوا قد استنشقوا عبير الحرية.

«دخلت الحرب بين الجيشين المصرى والإسرائيلى فى مرحلة التجميد لعدة سنوات، لم يكن يحدث سوى بعض المناوشات التى كانت تشبه حرب استنزاف ضعيفة المستوى، وإن اختلفت طريقة التعامل بين أهالى سيناء والجنود الإسرائيليين الذين بقوا فى قلب مدينة الشيخ زويد ورفح حتى عام 1979»، يقول الشيخ موسى السليمانى، أحد أهالى الشيخ زويد، إنه تسلل إلى الإسرائيليين المتبقين بسيناء يقين بأنهم سوف يرحلون قريباً، وأن وجودهم أصبح مهدداً فى كل لحظة، خاصة بعد أن أصبح الأهالى يقومون بعمليات عسكرية ضدهم بغطاء من أفراد الجيش المصرى، ويقتلون ويأسرون منهم الكثير، فلم تعد حربهم ضد قوات نظامية تقف على بعد كيلومترات منهم، لذا اتجهوا لتغيير طريقة تعاملهم مع الأهالى وأصبحوا يتوددون إليهم، وقتها كان للسيناويين «شمخة رأس» على حد تعبير «موسى»، سببها وجود جيش قوى خلفهم سوف يدق أبواب ما تبقى من أراضيه قريباً. يتذكر الرجل السبعينى ذهاب جندى إسرائيلى إلى منزلهم، وشكواه لوالده توعد شباب سيناوى له بالقتل، فسأله والده «ولماذا لا تتركونها وترحلون إلى بلادكم؟»، فبكى الجندى وقال لنا إن حلمه وكل زملائه من الجنود أن تأتى طائراتهم الحربية لنقلهم إلى قلب إسرائيل بعدما أصبح وجودهم فى أراضى سيناء خطراً عليهم، وأنه سمع من بعض قياداته أن وجودهم أصبح شبه مستحيل، ورحيلهم بات وشيكاً، فسأله والده عما يريده، فطلب منه أن يبعد عنه هؤلاء الشباب وفى مقابل ذلك سيكون مستعداً لتسليم ذخيرة سلاحه إليه للتأكيد على أنه لن يقوم بأى عمليات ضد الجيش المصرى أو أهالى سيناء.

لم تكن حالة الجندى الإسرائيلى هى الوحيدة التى شاهدها «السليمانى» حيث يقول إن الجنود الإسرائيليين الواقفين على الأكمنة الثابتة حاولوا مراراً وتكراراً إقناع الأهالى بعدم الاشتباك معهم نظراً لأنهم سيرحلون عن المنطقة كلها خلال أيام أو أسابيع، وبالفعل استمر الوضع على تلك الحالة التى انخفضت فيها انتهاكات جنود الاحتلال تجاه الأهالى بشكل ملحوظ، فى حين استمرت عمليات السيناويين العسكرية ضدهم، فلم يكن يمر يوم إلا ويتداول الأهالى حكايات صيد جنود الاحتلال واحداً تلو الآخر، لكى يحولوهم إلى مصدر ضغط على قادتهم بطلب الرحيل، وقبل أن يصوب الأطفال السيناويون الحجارة نحو آخر طائرة أقلعت وهى تحمل قائداً إسرائيلياً كان مسئولاً عن تأمين ترحيل جنوده، كانت بعض النساء قد قامت بتغيير اتجاهات الأسهم الإرشادية التى كان يعتمد عليها المقاتلون الإسرائيليون الجدد لمعرفة الطرق والشوارع الجانبية، الأمر الذى تسبب فى ضياع غالبيتهم فى الصحراء ونزول فرق إنقاذ للبحث عنهم، وبعد ساعات قليلة اصطف الأهالى على جانبى طريق «العريش- رفح» لاستقبال الجنود المصريين، بعد أن قاموا بحرق متبقيات وجود قوات الاحتلال لتسع سنوات كاملة.

 

 

 


مواضيع متعلقة