الدور السياسى للقاضى الجنائى

قد يبعث عنوان هذا المقال على الدهشة والاستغراب، والسبب فى ذلك أن القضاة محظور عليهم -بنص القانون- الاشتغال بالسياسة. وهذا الحكم مقرر فى معظم التشريعات المقارنة بشأن السلطة القضائية، التى تحظر جميعها على القضاة الاشتغال بالسياسة أو إبداء الآراء السياسية. وقد تضمن القانون المصرى تفصيلاً أكثر، فلم يقتصر على حظر الاشتغال بالسياسة وإبداء الآراء السياسية، وإنما عمد إلى بيان الحكم القانونى بالنسبة للقاضى الذى يرغب فى الترشح للانتخابات التشريعية وتحديد الحقوق المالية المترتبة على استقالته. فوفقاً للمادة 73 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972، «يحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية. يحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسى، ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالاتهم». وتنص المادة 73 مكرر من ذات القانون على أن «يسوى المعاش المستحق للقاضى المستقيل طبقاً للمادة السابقة والذى رشح نفسه لعضوية مجلس الشعب وفقاً للقواعد الآتية: (1) من بلغت مدة خدمته المحسوبة فى المعاش سبعاً وعشرين سنة فأكثر يحصل على معاش يساوى أربعة أخماس آخر مربوط الوظيفة التى كان يشغلها أو أربعة أخماس المرتب الأصلى الذى كان يتقاضاه أيهما أصلح له. (2) من بلغت مدة خدمته المحسوبة فى المعاش عشرين سنة وتقل عن سبع وعشرين سنة تضاف خمس سنوات افتراضية إلى مدة خدمته بشرط ألا تتجاوز سنه افتراضاً ستين سنة، وبحيث لا يقل المعاش الذى يحصل عليه عن ثلاثة أخماس آخر مربوط الوظيفة التى كان يشغلها أو ثلاثة أخماس المرتب الأصلى الذى كان يتقاضاه أيهما أصلح له. (3) من بلغت مدة خدمته المحسوبة فى المعاش خمس عشرة سنة وتقل عن عشرين سنة، تضاف خمس سنوات افتراضية إلى مدة خدمته بشرط ألا تتجاوز سنه افتراضياً ستين سنة، بحيث لا يقل المعاش الذى حصل عليه عن النصف لآخر مربوط الوظيفة التى كان يشغلها أو نصف المرتب الأصلى الذى كان يتقاضاه أيهما أصلح له وتسرى أحكام البنود (أ، ب، ج)».

والواقع أن الحظر السابق ينطبق على جميع القضاة، أياً كانت الجهة القضائية التى ينتمى إليها القاضى، يستوى فى ذلك القضاء العادى والقضاء الإدارى والقضاء الدستورى. بل إن هذا الحظر يسرى أيضاً على الهيئات القضائية، وهى هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة (المادة العشرون من القانون المصرى رقم 75 لسنة 1963 فى شأن تنظيم هيئة قضايا الدولة).

وهكذا، يبدو سائغاً القول بأن الإجماع منعقد على حظر اشتغال القاضى بالسياسة. ومع ذلك، فقد ثار الحديث عن الدور السياسى للقاضى الدستورى والدور السياسى للقاضى الإدارى. ففيما يتعلق بالقاضى الدستورى، يرى البعض أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين ذات طابع قانونى وسياسى معاً. وبعبارة أخرى، وعلى حد قول البعض، فإن دور القاضى الدستورى اليوم أصبح مهماً جداً للحفاظ على استمرارية النظام السياسى وتقريب وجهات النظر بين الفعالين السياسيين حتى لا تدخل مؤسسات الدولة فى أزمة سياسية.

وحتى وقت قريب، كان الاعتقاد سائداً بأن الحديث عن الدور السياسى للقاضى ربما يكون مستساغاً بالنسبة للقاضى الدستورى والقاضى الإدارى، وذلك بالنظر لارتباط هذا النوع من القضاء بالسلطة العامة وتدخلها سواء من خلال إصدار التشريعات أو من خلال اتخاذ القرارات التنفيذية لهذه التشريعات. ولكن، بدأ الحديث مؤخراً عن ضرورة أن يتفهم القاضى الجنائى الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى للفترة المعاصرة، وأن تراعى أحكامه هذا الواقع فيما اصطلح على تسميته «المواءمات السياسية»، وأن القضاء لو استطاع مراعاة هذه المواءمات لقضى على العديد من الأزمات أو منع حدوثها. والقائلون بهذا الرأى لا يذهبون إلى إهدار كلمة القانون، وإنما يدعون فقط إلى أن يستخدم القاضى سلطته التقديرية فى التخفيف والتشديد ووقف التنفيذ حسب الظرف المعاصر للقضية، وما يمكن أن يتسبب فيه الحكم من تأثير على الاستقرار والأمن السياسى والوقائى فى المجتمع وأيضاً ما يمكن أن يسببه من انعكاسات على النواحى الاقتصادية، خاصة أننا نعيش فى مجتمع العولمة والأسرة الواحدة. فالأحكام التى تمس مثلاً رجال أعمال كباراً يمكن أن تسبب خسارة كبيرة للمتعاملين فى البورصة أو أرباحاً عالية لهم وللشركات الكبيرة التى يملكونها ولهذا تأثير كبير على الاقتصاد. كما أن أحكاماً تمس جانباً أو طقوساً لإحدى العقائد الدينية أو الأيديولوجيات المعاصرة يمكن أن تسبب أيضاً مشاكل تهز الاستقرار أو تعبث بوحدة البلاد. وهكذا، يثور التساؤل عما إذا كان القضاء ملزماً فعلاً بهذه المواءمات، وما إذا كان القاضى ملزماً قبل أن يصدر حكمه بمراعاة كل هذه الأفكار والمعتقدات والتحليلات لتصبح جزءاً من يقينه القضائى بجانب القانونى.

وفى الإجابة عن هذا التساؤل، يؤكد البعض أن القاضى عند إصداره الحكم يلتزم دائماً بأن يعالج القضايا غير العادية بطريقة عادية، فلا يجوز له أن يغاير فى مصير الجناة بالتشديد أو التخفيف، مهما كانت شهرة هؤلاء الجناة. على النقيض من ذلك، يؤكد بعض الفقه الفرنسى أن القضاء عمل سياسى (ماتيو بوندويل، القضاء عمل سياسى، مجلة لوموند دبلوماتيك، سبتمبر 2014م، ص 28).

وبعيداً عن هذا الجدل الفقهى، نرى من المناسب الإشارة إلى الأحكام الصادرة من القضاء المصرى ضد رموز جماعة الإخوان المسلمين، قبل أو أثناء زيارات الرئيس الخارجية، والآثار السلبية التى يمكن أن تحدثها على نتائج هذه الزيارات. ولعلنا جميعاً نتذكر تصريحات رئيس البرلمان الألمانى قبل زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى لجمهورية ألمانيا الاتحادية مطلع شهر يونيو الماضى. وقد دعا ذلك بعض الكتاب إلى التساؤل عما إذا كان من قبيل التدخل فى شأن القضاء إذا ما ناشدنا القاضى تأجيل النطق بالحكم فى «مرسى» وقيادات جماعة الإخوان لمدة أسبوع واحد فقط دون أن نتدخل فى حكمه!! من أجل ألا تفشل الزيارة قبل أن تبدأ (عصام العبيدى، إعدام مرسى وعصابته.. وزيارة ألمانيا، جريدة «الوفد»، عمود إشراقات، 30 مايو 2015م).

والواقع أنه لا يمكن إغفال دور المواءمات السياسية فى القضاء الجنائى، سواء كان ذلك فى مرحلة إقامة الدعوى الجنائية، أو فى مرحلة إصدار الحكم، أو فى مرحلة التنفيذ، وللحديث بقية..