عن حديث الأستاذ

د. لميس جابر

د. لميس جابر

كاتب صحفي

قرأت آخر حديث للأستاذ.. لم أعتد فى الحقيقة أن أسمعه يتكلم بحكم موقع جيلى من عمر الأستاذ، ومن علو شأنه زمان على صفحات الأهرام.. وفى السنوات الأخيرة ومع طفرة الفضائيات حاولت أن أسمعه على شاشة «الجزيرة» -والعياذ بالله- ولم أستطع التركيز، وتعثر لدىّ فهم عبارات الأستاذ.. لذلك اعتدت أن أقرأ له حتى أعيد وأزيد فى الجملة عدة مرات لكى أفهم وأحياناً كثيرة أفشل فى فهم ما يريد أن يقوله الأستاذ للأسف.. لذلك فى حديثه الأخير قرأت، وأكثر من مرة، ولم أتوقف كثيراً أمام عباراته العجيبة من نوعية (غياب البوصلة.. غياب الحقائق.. مسالك الطرق غير واضحة.. نعمل دون خريطة واضحة للمستقبل.. عناصر القوة تاهت.. نعمل دون رؤية.. إلخ.. إلخ.. إلخ» إلى أن قال الأستاذ هذه العبارة الصادمة: «لو لم ننتبه سنكون فى طريقنا للخروج من التاريخ» توقفت هنا.. مصر التى صنعت تاريخ العالم والإنسانية.. سوف تخرج من التاريخ.. يا للهول؟!! عدت بمفردى بسرعة إلى سنوات بعيدة إلى تاريخ، إذا جاز أن نطلق على الخمسينات سنوات تاريخية.. تذكرت وأنا صغيرة جداً.. يوم أن فتحت عينىّ على عظمة الزعيم، وحب الزعيم، ومجد الزعيم، وكنت فى طريقى إلى المدرسة فى شبرا أمر بصيدلية صغيرة كانت مسماة باسم صاحبها الدكتور فلان.. كان على ما أذكر الدكتور فؤاد حداد.. وربما اختلط الاسم لدىّ مع بُعد الحدث.. المهم كنت أسير فى طريقى إلى محطة الترام، وتكون هذه الصيدلية أمامى فى الجهة المقابلة من شارع شبرا.. وفجأة أغلقت الصيدلية.. وطالت مدة الإغلاق.. صرت أسأل أين ذهب الدكتور الصيدلى هذا؟ لم أجد إجابة شافية فى أحيان كثيرة وأحيان أخرى لا أجد إجابة على الإطلاق.. إلى أن همس لى أحدهم.. الدكتور ده فى المعتقل!!!.. صرخت فيه، وكذبته واتهمته بأنه مغرض يريد أن يسىء لعبدالناصر.. الزعيم.. العظيم.. يريد أن يسىء للثورة.. ثورتنا البيضاء.. لا.. لا توجد معتقلات فى مصر، يتركنى الرجل بعد أن ينظر لى نظرة اتهام بالغباء وغياب الوعى.. مع الأيام تزداد الهمسات حتى تعلو فى السر طبعاً.. وتؤكد.. هذا الصيدلى مات فى المعتقل.. صدّقى.. أصرخ مرة أخرى.. حتى إذا كان قد مات فى المعتقل، عبدالناصر غير مسئول.. عبدالناصر لا يعلم.. من حوله هم من يقومون بهذه الأفعال.. هم بالتأكيد من الثورة المضادة.. هم أنصار الرجعية، ومن يشيعون هذه الافتراءات هم أعوان الاستعمار هم أنصار الرأسمالية المستغلة.. يهمس أحدهم من عائلتى: هل نسيتِ ما حدث فى شبرا عام 1958؟ كنت صغيرة فعلاً لكنك لا بد أنك تذكرين هذه الليلة.. رجعت بذاكرتى إلى تلك الليلة.. زوار الفجر داخل صالة منزلنا.. خرجت من الغرفة وأنا شبه نائمة لأرى أكثر من خمسة أفراد يرتدون الملابس المدنية، يتجولون فى المنزل.. فى حجرة أخى.. يعبثون بمكتبه الصغير، يفتشون داخل كتبه وكتب أبى الكثيرة.. ها هو أخى طالب الطب.. يحمل حقيبة صغيرة ويشير لى بيده مودعاً.. وقبل أن يخرج وسط زوار الفجر يسرع أبى ويجمع كل النقود الموجودة بالمنزل، ليدسها فى يد أخى.. لم أنس فى حياتى ابتسامة أخى لى، وهو يرسل لى بيده وداعاً خاصاً ليطمئنى بعد أن رأى نظراتى المذعورة الجهولة.. نعم.. تذكرت.. تذكرت حكايات الجيران عندما جاءوا إلى أمى ليواسوها.. قالوا إنهم ينزعون بلاطات المنازل ويشقون المراتب بحثاً عن منشورات.. إحمدى ربنا على حالة ابنك.. تذكرت.. والتاريخ ما زال محفوراً فى الوجدان قبل الذاكرة.. عاد أخى بعد شهرين لسبب خاص به، وهو أنه تطوع للسفر إلى القنطرة شرق فى حرب 1956، لينضم للمقاومة الشعبية.. تطوع بمفرده من كلية طب جامعة عين شمس.. وبعد عودته حصل على شهادة تقدير موقعة باسم عبدالناصر.. وهل يعقل أن يعتقله عبدالناصر بعد عامين فقط؟.. خرج، ولكن زملاءه ظلوا ثلاثة عشر عاماً.. وخرجوا من المعتقلات عام 1971.. ظللت على أفكارى الثابتة عن الزعيم، حتى إن اهتزت فى أحيان كثيرة إلى أن قتل «شهدى عطية الشافعى» الشاب الرقيق، مدرس الإنجليزية فى المعتقل.. وبالتحديد قُتل فى حفل الاستقبال، الذى يتلقون به الشباب المصرى بالعصى قبل الدخول إلى الزنزانة.. وفضح الأمر لا لشىء سوى لأن زوجة «شهدى» كانت أجنبية، وكتبت له نعياً مؤثراً فى صحيفة الأستاذ.. الأهرام.. ويا سيدى الأستاذ إذا كانت مصر قد عاشت أيام القمع والمعتقلات، وتهمة «علم ولم يبلغ» التى أظنك تعرفها جيداً.. وإذا كانت مصر عاشت ست سنوات من الهزيمة المريرة والاحتلال ولم تخرج من التاريخ؟ كيف لها أن تخرج الآن؟

ملحوظة صغيرة للأستاذ عله يتقى الله فى مصر..