وهم «الدعم»

تقرير ملفت نشره الزميل «أحمد إسماعيل» بجريدة «الشروق»، حول الأسعار التى تبيع بها الحكومة البنزين للمواطن، قياساً إلى الأسعار العالمية، بعد الانخفاض الملحوظ فى سعر برميل النفط ووصوله إلى 30 دولاراً. نُقل التقرير على لسان أحد الخبراء أن سعر بنزين 92 حالياً (2.60) أعلى من سعره العالمى (2.10) بحوالى نصف جنيه، وأن سعر البنزين 95 (6.25) يزيد على سعره العالمى (2.25) بنحو أربعة جنيهات، وأشار الخبير أيضاً إلى أن الأسعار التى يباع بها البنزين 80، والسولار تقترب من نقطة التعادل مع الأسعار العالمية. ولعلك تابعت توقعات بعض الخبراء بانخفاض سعر البترول خلال الأشهر المقبلة إلى نحو 10 دولارات للبرميل، الأمر الذى يعنى أننا من الممكن أن نصل إلى مرحلة يقل فيها سعر البنزين عن سعر لتر المياه، إن لم نكن قد وصلنا إليها بالفعل!.

إذا كانت التقديرات والأرقام التى اعتمد عليها التقرير صحيحة، فإنها تضعنا أمام سؤال مهم، ملخصه: هل يمكن أن ينخفض سعر سلعة معينة فى مصر، بعد تراجع الأسعار العالمية للمواد الخام، التى تدخل فى صناعتها، والتى كان ارتفاعها ذريعة لبيعها للمواطن بـ«الغلا والكوا»؟!. أظن أن هذا الأمر مستبعد كل الاستبعاد، فقد تعودنا عبر العقود الماضية، أن الأسعار قابلة للارتفاع فقط، أما الانخفاض، فأمر لا يحدث فى مصر مطلقاً، كل الأسعار فى الطالع، ومهما يحدث من تراجعات عالمية، فإن ذلك لا يؤثر فى السوق المصرية، التى تحتكم إلى قوانين خاصة جداً، يمكن أن نسميها قوانين المحروسة!.

دعك من مسألة خفض أسعار البنزين، تماشياً مع الأسعار العالمية، ثمة سؤال آخر قد يكون أهم، وهو: هل ستواصل الدولة، سياستها فى رفع الدعم عن المشتقات البترولية، خلال السنوات الخمس المقبلة، كما تؤكد باستمرار؟ تقديرى أنه لو تواصل الانخفاض فى الأسعار العالمية للبترول، فعلى الحكومة أن تتراجع عن خطتها فى هذا السياق، لأن الأرقام تقول إنها لا تقدم، كما تشير بيانات الموازنة، 55 مليار جنيه دعماً للبنزين والسولار، بل تبيع لنا البنزين بأعلى من الأسعار العالمية، ما يعنى أن المواطن هو الذى يدعم الحكومة، وليس العكس!.

أمر آخر لا بد أن نلتفت إليه، يتمثل فى الوفورات التى ستتحقق للدولة جراء انخفاض أسعار البترول، وإلغاء الدعم عليها تلقائياً، يتعلق بموضوع العجز فى الموازنة، والذى كانت الدولة تسعى إلى حله عن طريق المواطن، من خلال إصدار قوانين وقرارات تسعى إلى تكليف المواطنين فوق ما يطيقون من أجل جمع مليارات الجنيهات التى يمكن أن تساهم فى سد عجز الموازنة. من ذلك على سبيل المثال قانون الخدمة المدنية، الذى رفضته لجنة القوى العاملة بمجلس النواب مؤخراً، فقد ذكر أحد المسئولين أن رفض القانون يعنى اضطرار الدولة لدفع 17 مليار جنيه حوافز وعلاوات تم إلغاؤها، بعد تطبيق القانون. يخيل لى أن المشكلة الآن أصبحت محلولة، فمن الممكن أن يتم رد هذه المبالغ، بعد رفض القانون، من خلال ما سيتم توفيره من فاتورة دعم المشتقات البترولية التى أصبحت -طبقاً لما ورد فى تقرير «الشروق»- مجرد فاتورة وهمية!.