«يناير» والإعلام

لقد مرت خمسة أعوام على اندلاع «ثورة يناير»؛ التى جاءت بتوجيه استراتيجى واضح للسلطة والجماعة الوطنية، وهو التوجيه الذى تم تلخيصه فى الشعار البديع: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية».

وكان من المتوقع والمأمول أن تقف تلك الجماعة الوطنية، بسُلطتها ونخبتها، اليوم، فى الذكرى الخامسة، لتتدبر، وتحاسب، وتحدد ما أخفقت «الثورة» فى إنجازه، فتجتهد فى تحقيقه، وما حققته بالفعل، فتجتهد فى تعظيمه.

لكن للأسف، وعلى العكس من ذلك، فقد وقفت تلك الجماعة الوطنية، بسُلطتها ونخبتها، لتتصارع، وتتشاجر على ما إذا كانت «يناير» ثورة أم مؤامرة. يعطينا هذا الصراع أفضل مثل ممكن على أمة تفقد الاتجاه، ودولة بلا استراتيجية، وجماعة وطنية ينقصها حس المسئولية.

لقد كانت «يناير» نداء للمستقبل، وهو نداء تم تلخيصه وبلورته فى مطالب وشعارات لا يمكن أبداً دحضها أو تجاهلها أو الالتفاف عليها إذا أردنا نهوضاً.

فلماذا نترك مهمتنا فى تحرى الأسباب الموضوعية لتحقيق مطالب «يناير» العادلة والضرورية والمتفق عليها، وننصرف جميعاً، فى شغف واستمتاع عجيبين، لنتقاتل حول ما إذا كانت «ثورة» أم «مؤامرة»؟

من جانبى، سأحاول أن أرصد بعض ما طرأ على قطاع الإعلام، بعد خمسة أعوام من «يناير»، قياساً بما نادت به وأصرت عليه:

- اختفاء التعدد والتباين فى منظومة الإعلام على صعيدى الملكية والسياسة التحريرية لمصلحة الصوت الواحد، الذى تعتقد السلطات أنه «وطنى ومسئول»، فى مقابل الأصوات الأخرى التى تتهمها بـ«الخيانة» أو «العمالة» أو «عدم المسئولية».

- زيادة الدور الدعائى لوسائل الإعلام العامة والخاصة على حساب الدور المهنى، بما يمكنها من «مواجهة الخطر الإرهابى»، وتكريس سياسة «الاصطفاف»، وهو أمر يجد ذرائعه الموضوعية فى ظل الاستهداف الخارجى والداخلى، وتزايد العمليات الإرهابية، وثقة أغلبية الجمهور فى القيادة، ورغبتها فى مساندتها لاستعادة الدولة وتثبيتها، كما تُظهر أغلب استطلاعات الرأى المعتبرة.

- بدء خروج المال السياسى، الذى كان قد تدفق من خارج البلاد على الصناعة، من أجل تحقيق أهداف إقليمية التقت مع إرادة القطاعات الغالبة من الجمهور المصرى ومعظم المؤسسات الوطنية، بعدما شعر أصحاب تلك الأموال أنهم حققوا أهدافهم أو القدر الأكبر منها.

- تقلص عائدات الإعلان، وتركز معظم الوكالات الإعلانية فى عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة من الشركات، التى استهدفت تعزيز أنماط أداء حادة بعينها، إما من أجل تحقيق الرواج، أو لصالح تعزيز فكرة «الاصطفاف»، التى تمكّن أصحاب المصالح الإعلانية من تحقيق أهداف سياسية.

- بسبب تفاقم الضغوط السياسية والمعيشية على قطاعات واسعة من الجمهور، خلال سنوات خمس مرهقة تلت ثورة يناير، وفى ظل تردى الأداء الإعلامى وتدنيه، انصرفت قطاعات مؤثرة عن متابعة المحتوى السياسى المقدم عبر وسائط الإعلام التقليدية لمصلحة وسائط الإعلام الاجتماعى أو المحتوى الترفيهى.

- زيادة حدة الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية فى المحتوى الإعلامى، إما لجذب الجمهور عبر اختيار قضايا مثيرة مثل «الشذوذ»، و«التجديف»، و«المشاحنات والشتائم»، و«الإباحية»، و«التسريبات غير القانونية التى تنتهك الخصوصية»، وإما لتحقيق أهداف سياسية، يراها البعض مبررة لمقاومة «مؤامرة خارجية وداخلية على البلاد»، ويراها البعض الآخر محاولة لـ«إعادة إنتاج دولة مبارك»، و«القضاء على مكتسبات ثورتى يناير ويونيو».

- استمرار الإخفاق فى إعادة بناء النظام الإعلامى المصرى، استناداً إلى الاستحقاقات الدستورية التى تتضمن إزالة العقوبات السالبة للحرية، وإصدار قانون الحق فى الحصول على المعلومات، وإنشاء نقابة الإعلاميين، وإنشاء الهيئات المنظمة للمجال الإعلامى.

- استمرار الإخفاق فى إعادة هيكلة وسائل الإعلام المملوكة للدولة.

أمامنا طريق طويل لإصلاح قطاع الإعلام فى مصر، كغيره من القطاعات، على طريق الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهو أمر سيكون أفضل بالتأكيد من النزاع حول ما إذا كانت «يناير» ثورة أم مؤامرة.