مصر أكبر من الاثنين

مجدى الجلاد

مجدى الجلاد

كاتب صحفي

اعتدت أن أحترم الآخر.. أختلف معه دون كراهية أو خصومة مطلقة أو إهانة.. فما بالك إذا كان من أختلف معه مصرياً، تجرى فى عروقه دماء قلبى.. ماضيه هو ذكرياتى.. واقعه نفس يومياتى.. ومستقبله مدوّن فى ذات الصفحة التى تحمل قادمى! ذهبت إلى صندوق الاقتراع، وفى عقلى معادلة شخصية، وفى قلبى أمل فى نجاح مرشح، وفى يدى اسمه.. مثلك تماماً.. كلانا يرى مصلحة الوطن بعين خاصة، لا أنا وطنى ولا أنت خائن.. لا أنا غبى ولا أنت عبقرى.. فمن أجل صناديق الاقتراع خلقنا الله مختلفين، ولو أراد اتفاقنا على كل شىء لخلق غيرنا.. فما الداعى لإحباط الكثيرين بسبب نتائج الانتخابات الرئاسية؟! اسمحوا لى أن أحاول الوصول معكم إلى أسباب هذا الإحباط شبه العام.. الثابت أننا عشنا 60 عاماً فى «قطيع» واحد.. كان النظام يقول لنا اذهبوا إلى هذا الاتجاه، فنهرول دون تفكير أو نقاش أو اعتراض.. وحين أدركنا استبداد النظام، قاطعنا صناديق التصويت بسلبية من يعرف أنهم سيصوّتون بالنيابة عنه.. لم نعتد الاختلاف، ولم نتعلم مبادئه وأخلاقياته.. لم يزرع أحد بداخلنا أن الفرد ينبغى أن يرضخ لإرادة الجماعة، وأن الشعوب تخطئ دائماً وهى تحبو فى طريق الديمقراطية، وأن خطأ الجماعة يجب أن ندفع ثمنه جميعاً! لا تغضبوا.. فتلك هى الحقيقة.. غير أن ثمة سبباً آخر أراه مبرراً وموضوعياً.. ذهب الجميع للتصويت وفى أعماقهم أحلام كبيرة، وطموحات أكبر.. فقد تحملنا كثيراً، ونفد صبرنا.. فلماذا لا نبدأ فى بناء «مصر الجديدة» بعد أن دفع أبناؤنا دماءهم ثمناً لهذا التغيير، انعقدت الألسن وتسمّرت العيون، حين أُعلنت النتائج: لا تغيير.. ولو حدث فسيكون للأسوأ.. لا فرصة لمولد «مصر الجديدة».. اللاعبان القديمان وحدهما فى حلقة المصارعة.. الحزب الوطنى برموزه ورجال أعماله وراء «شفيق».. والإخوان وتيار الإسلام السياسى خلف «مرسى».. لا إفادة فى الإعادة.. ولا تيار ثالثاً خرج من رحم الثورة.. اللاعبان العتيدان استخدما نفس الأساليب القديمة.. سيطرة كاملة للمال السياسى.. تجاوزات ومخالفات لشراء الأصوات، و«الورقة الدوارة».. حتى لو كانت التجاوزات غير مؤثرة، كما يؤكد البعض، فإن ما يهمنا أنها ترسم صورة دقيقة وواقعية للرئيس القادم.. فمن يستخدم هذه الوسائل فى الوصول إلى الكرسى، لا تستبعد أن يفعل أى شىء.. الأخلاق لا تتجزأ، والمبادئ لا تقبل القسمة على المراحل.. التدليس واحد، سواء كان أمام لجان الانتخابات، أو فى قصر الرئاسة! ثم إن - وهذا سبب مهم أيضاً - الكثيرين يرون أن منصب رئيس مصر أكبر من الاثنين.. بل وأكبر من كل المرشحين.. كان الكرسى أكبر كثيراً من مبارك، كانت الفجوة ضخمة بين بلد يمتلك مقومات التقدم والانطلاق، ورئيس محدود الفكر والخيال، وشديد الارتياب فى الجميع، وشريك فى الفساد وحامٍ له.. كان ذلك فى حقبة أقل تعقيداً، ووسط عالم أشد بساطة، فما بالنا، ومصر تتقاذفها الأنواء، وتحيط بها المخاطر والملمّات؟!