أسوأ ما فى طريقة التفكير المنهجى أنها تجعلك لا تستطيع ممارسة فضيلة التصعيد بلا إحساس بالذنب أو حساب للعواقب. الالتزام بالمبدأ مهم، ولكنها المعضلة التى وقع فيها الفلاسفة والمفكرون دائماً: ماذا لو تعارض المبدأ الراسخ مع المصلحة المحققة؟ ماذا لو أنك قررت التزام الصدق التام، فأجبت بالصدق عن سؤال «أين فلان؟» من شخص يريد أن يقتله؟ هل تقول الحقيقة التزاماً بالمبدأ وتضيع المصلحة؟ أم تكذب خروجاً على المبدأ وأملاً فى تحقيق المصلحة؟ طبعاً من السهل أن ندخل فى نقاشات نظرية بشأن ما هو المبدأ وما هى المصلحة، لأنه من المبدأ ألا «ضرر ولا ضرار» فالمرء حقيقة يفاضل بين عوائد وتكلفة الالتزام بمبدأين متعارضين فى هذه الحالة المشار إليها.
وهذا هو ما نواجهه مع شرعية الرئيس مرسى. من السهل أن نطالب بإسقاط مرسى، ولكن ماذا بعد؟ ماذا عن مؤيديه الذين سيقفون ضد أى انتخابات جديدة؟ أم هؤلاء خارج المعادلة؟
الصورة المثلى فى ذهنى لرئيس الجمهورية أن يكون «رئيساً لمجلس إدارة الدولة» وليس الحاكم بأمره فى شئون الدولة. كنت أتمنى رئيساً قادراً على أن يتواصل مع الجميع وأن يجتمع بالجميع وأن تكون قراراته نابعة من توافق حقيقى مع شركاء له فى الوطن. وحتى لا يكون الأمر خيالاً شخصياً، فمن يقرأ مذكرات نيلسون مانديلا يجد هذا تحديداً. ولكننا فى مصر لسنا أحفاداً لنيلسون مانديلا، نحن الفراعنة، إما أن ينصاع الآخر لنا وبلا تردد، أو أن يكون خارجاً علينا وبلا تردد.
نحن لا نعرف استراتيجية المكسب المعقول وتحقيق المكاسب المتدرجة، نحن نريد المكسب الأقصى والرفض التام للمطروح من الطرف الآخر. يلين الرئيس، تتشدد المعارضة. تلين المعارضة، يتشدد الرئيس. وتستمر الدائرة، ولا ننتبه لأن السفينة تقترب من الشلالات. ولكن «مش مهم» طالما أننا نستطيع إلقاء اللوم على الآخرين.
«مرسى ليس رجل المرحلة» عبارة صحيحة من وجهة نظرى لأسباب تتعلق بقرارات اتخذها هو وخرج عن النموذج الذى كنت أنا شخصياً أتمناه له. لكن نعمل فيه إيه؟ هذا هو السؤال. أتمنى عليه وبكل أمانة وحرص على الصالح العام أن يتنحى فى مرحلة ما وأن يدعو لانتخابات مبكرة، طالما استمر أداؤه على هذا النحو. أعرف أنه لن يفعل، ولن تسمح له الجماعة بأن يفعل. ولكن ما البديل؟ فلنستعد لانتخابات قادمة ستكون بعد ثلاث سنوات، حتى نكون أنجزنا واحداً من إنجازات الثورة وهى احترام قرار الأغلبية التى انتخبته رغماً عن اعتقاد الكثيرين اليوم أنه كان قراراً خاطئاً. وهى قصة طويلة ترتبط بتفتت أصوات الناخبين على مرشحين خمسة منتسبين للثورة.
ولكن فى نفس الوقت هناك الكثير مما يمكن فعله لحين تأتى الانتخابات القادمة وهى أولاً الاستعداد الجيد لانتخابات مجلس النواب، وبعده ستكون هناك انتخابات أخرى لمجلس الشورى وانتخابات المحليات. وهى كلها مناسبات انتخابية لو نجحت المعارضة بشكل تراكمى فى أن تحقق إنجازاً فيها، لخلقنا بيئة سياسية تنافسية سليمة. ولنتذكر أن الحزب الديمقراطى تبلور بعد فترة من سيطرة المحافظين على الحياة السياسية فى أمريكا، وحزب الليكود تبلور بعد فترة من سيطرة حزب العمل على الحياة السياسية الإسرائيلية، وكذا مع الأحزاب المنافسة لحزب المؤتمر الهندى والحزب الليبرالى فى اليابان.
على من يعارض الدكتور مرسى أن يقف بالمرصاد ضد كل السياسات الخاطئة التى يتبناها، ولكن شريطة ألا يستخدم العنف والكلام نفسه موجه للشرطة. وعلى الدكتور مرسى أن يقرأ المشهد قراءة مختلفة: المركب المطاطى الذى تقوده يمكن لأى من قواه أن تستخدم مسماراً لخرقه ومن ثم إغراقه.
الدكتور مرسى عليه أن يستعيد روح ما بعد وصوله إلى السلطة مباشرة، روح رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للدولة المصرية، وليس محمد على الذى احتاج لمذبحة القلعة، أو عبدالناصر الذى احتاج لحظر العمل الحزبى، أو السادات فى مواجهة مراكز القوى، أو مبارك وما فعل فى معارضيه.
أخشى أن الرئيس مرسى بشخصه وبعدد من المحيطين به، يورط نفسه والوطن فى استنساخ الماضى المصرى فى سياق مختلف تماماً. هذه مقامرة بالوطن.
مقالات أخرى للكاتب
التعليقاتسياسة التعليقات
- 1
بواسطة : أسامة محمد أحمد العدوى
الخميس 14-02-2013 12:54طالما أن الكلمة أمانة و اذا كان لكل كاتب أو اعلامى أو أستاذ من يتأثر به , فسوف يحاسب أمام الله سبحانه و تعالى عن كل آثار ما خطته يداه و نطق به لسانه و تأثر به تابعوه. اذا قال الناعقون يسقط مرسى و استمر نواحهم , يخرج علينا المنظرون ليتعاملوا مع الأكذوبة بما يدعونه حرفية و مهنية و يشبعون الفرية تحليلا من الناحية القانونية و التشريعية و الدستورية و المنطقية حتى يظن البعض أن الأمر واقع لا محالة . غريب أمر الكاتب الذى يتخلى كثيرا عن توازنه العلمى و يرتدى أحيانا أردية تتناسب مع القنوات أو الصحف التى يتحدث أو يكتب فيها. أهذه مصداقية العلم و العلماء . ماذا لو كنت أنت الرئيس و مرت بك تلك الأحداث و تربص بك أمثال هؤلاء المتربصون و الزاعقون و الناعقون و اختلطت الأوراق حتى تبدو الحقيقة أحيانا تائهة و يبدو صوت الصادقين المخلصين ضعيفا أو خافتا لارتفاع صخب الباطل . ماذا كنت ستفعل حينئذ ؟؟؟؟ ماذا كنت ستفعل لو صبحك أناس بيسقسط يسقط المعتز عبد الفتاح و قال آخرون لقد سقطت شرعية المعتز بالله عبد الفتاح ؟؟؟ و زعم زاعمون أنك مجرد صورة لمحركون آخرون و أنك ضعيف لا حول لك و لا قوة ؟؟؟ ماذا تفعل لو وجهت الدعوة تلو الأخرى لمن يزعمون النصح و يرتدون ثياب الواعظين فأبوا و ابتعدوا زاعمين أنك كاذب فى دعواتك و لست بمخلص فيما تدعوهم اليه؟؟ ماذا لو طالبك الراسبون فى الانتخابات أن تستمع و تنفذ ما يقولونه رغم أنف المجلس النيابى المنتخب و الا أصبحت ديكتاتورى و انتفت صلاحيتك؟؟؟؟؟ ليتك تقف مع نفسك و كلماتك و قلمك و ما تخطه يداك .
- 2
بواسطة : عيد
الخميس 14-02-2013 12:54هل فتره 6 اشهر كافيه للحكم على رئيس دوله مليئه بالمشكلات ومليئه باناس بما فيهم المؤيدون يضعون الرئيس فى الازمات تلو الاخرى .... من قدم للرئيس البديل لاى من القرارات .....ولما كان على الرئيس ان يكمل فيما اقدم عليه من خطوه .... ساعده حتى ولو كانت خطأ... ما اعرفه انه كلما توفرت المعلومات كلما كان القرار اكثر وضوحا المعادله الصعبه (( رئيس (( شفافيه ))+معارضه (( عقلانيه ))= بر الامان & نفق مضئ
- 3
بواسطة : محمد شريف
الخميس 14-02-2013 12:54مزيدا من الحكمة يا دكتور معتز
- 4
بواسطة : سسس
الخميس 14-02-2013 12:54لا اجد رأيا ارجح من هذا
- 5
بواسطة : كمال الدين
الخميس 14-02-2013 12:54دائما اشعر انك صادق وغالبا ما اوافقك الرأى وحتى اذا لم يعجبنى رأيا اعجب بالمنطق الذى يحمله وهذا المقال وما تكتبه فى الفتره الاخيره وايضا ماتقوله فى برامج التلفزيون ينقل الى كميه هائله من الحزن على اهل السياسه رئيسا احترمه لكن لا اعتقد انه قرأ كتابا واحدا فى السياسه او التاريخ واعتقد انه لم يسمعك عندما كنت تتكلم معه مباشرة واعتقد انه لايقرا ماتكتب الان وهناك نخبه هائله ايضا نحترمها وهى راقية الفكر والمنطق لكن لاتستطيع ان تتفاعل مع رجل الشارع البسيط بل كثير من المتعلمين .. هناك معارضه لاتستطيع ان تصدق ان الشعب قد تغير بل لاتثق فى انه تغير وان هناك شباب لانعرفه قادم لامحاله وان الوقت فى عمر الامم لايحسب باليوم فهى تساير حمية الشباب وتصدق فى امكانيه استنساخ لحظة تاريخيه بعينها لاتأتى لان مفردات اللحظة تغيرت والاخوان يخشون من ماض كئيب فللاسف تقمصوا روح وكلام ولغة قادة الحزب الوطنى وايضا لايدركون ان مفردات الحظة تتغيير باسرع مما يتحمله الواقع وان الرئيس جاء الى حكم مصر وهو تحت اضواء الليزر الاعلامى وسيظل وعليه ان يواجه ذلك لكن تقول لمين قلبى معلك يادكتور معتز ولك الله يامصر
- 6
بواسطة : محمد رزق
الخميس 14-02-2013 12:54كل الي هقدر اقوله أنك راجل بتفهم فى بلد معظم الي فيها طرش
- 7
بواسطة : عاطف حامد
الخميس 14-02-2013 12:54اللي أنا فهمته من مقالك هو أنك أحترامت مبدأك المرة اللي فاتت والمرة الجاية مش هيكون عندك مبدأ ، عيب عليك تقول "نعمل فيه أيه" مش أخلاق رفيعة ، ومين رجل المرحلة في نظرك ورؤيتك المستقبلية ، إذا في استطلاع رأي حقيقي من BBC جبهت الخراب حصلت بأمتياز على 82% رفض شعبي وهي فيها اللي فاكرين نفسهم خلاصة الفكر السياسي ، أحنا مش زنوج ولا هنود ولا يهود ، أحنا لسه خارجين من سجن العبودية والضلمة لسه جوة عيون الناس ، سيبوا الشعب يشوف نور الحرية بعينه هو مش ببعيونكوا أنتوا ، أحسن حاجة تعملها الفترة الجاية أنك تكتب في الرياضة وهو الدوري اشتغل يمكن تعرف تحلل كورة
- 8
بواسطة : حالد
الخميس 14-02-2013 12:54مقالة رائعة يا استاذ معتز بالله . فعلا هي دي المعضلة
- 9
بواسطة : احمد
الخميس 14-02-2013 12:54انا بقترح لحل الازمه التى تمر بها البلاد هذا الحل.....ان يبقى الرئيس محمد مرسى فى الحكم لمدة عام واحد يتم خلالها ما يلى ......تشكيل حكومة انقاذ وطنى من جميع القوى من اجل انعاش الاقتصاد المصرى و تمهيد الارض للرئيس الجديد اى كان هو....ان تتوقف كل صور التظاهرات فى البلد و ان تتوقف جبهة الانقاذ الوطنى عن كل مؤتمراتها و تستعد كل القوى لانتخابات مجلس النواب فى موعدها بشكل نزيه باشراف قضائى كامل" 15 يوم".....ثم يتم تشكيل لجنه من قبل ممثلين القوى السياسه بنفس نسبتها فى البرلمان لتعديل بنود الدستور محل الخلاف فى مده " 15 يوم" من انعقاد اول جلسه على ان تنتهى اللجنه من التعديلات خلال شهر و فى خلال 15 يوم يتم الاستفتاء عليه من قبل الشعب و يكون بالتوازى مع انتخابات مجلس الشورى " اى يستلم الناخب استماره تصويت على اعضاء مجلس الشورى و فى نفس الوقت استمارة استفتاء على تعديلات الدستور" 15 يوم".... و بالتالى يكون انتخابات الشورى بعد موعد البرلمان بشهرين و نكون انتهينا من كل ذلك خلال 3 شهور....خلال المده الباقيه لا تظاهرات و لا شئ سوى الانتاج...و بعد 9 شهور يتم عمل انتخابات رئاسيه بشرط لا يشترك فيها اى شخص تقدم بطلب ترشح للانتخابات السابقه ... و يتولى خلال هذه المده لانتخابات الرئاسه رئيس البرلمان رئاسة البلاد.... و اى كان الرئيس الجديد لابد من الالتفاف حوله ليس من اجله و لكن من اجل مصر... والله الموفق و المستعان
- 10
بواسطة : ahmad ismail
الخميس 14-02-2013 12:54معتز بيه انت أحد الأبواق الاعلاميه للجماعه انت و امثالك أبو العلا ماضي - عصام سلطان- محمد محسوب والكثير من الشعب المصري الان يطلق عليكم لقب الباب الخلفي للاخوان

