د. محمد صلاح البدرى د. محمد صلاح البدرى «الشيخ» فلان..!
الأربعاء 11-01-2017 | PM 10:03

يذكر من عاصر أواخر الثمانينات تلك الحادثة الشهيرة فى حى إمبابة.. إنهم هؤلاء الفتية الذين قرروا أن يطبقوا فيها الشريعة -أو ما يفهمونه منها- بيدهم دون قانون سوى ما يقرونه هم.. أطالوا لحاهم، ليلقب بعضهم بعضاً بـ«الشيخ فلان».. ثم بدأوا بالسيطرة على الحى بالكامل ومنع النساء من الخروج حتى لعملهم.. حتى انتهى الأمر بهم إلى معركة شرسة مع الشرطة.. بعد أن قرروا تطبيق الحدود، مثل قطع يد السارق وجلد الزانى فى الشارع!!

لقد انتهت دولة إمبابة سريعاً وقتها.. ولكن دولة هؤلاء الفتية لم تنته من أذهانهم أبداً.. بل ظلت باقية يتوارثها الأجيال التى تؤمن بهم عبر عقود.. لينجحوا أخيراً فى خلقها مجدداً، فيما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية فى بلاد الشام.. أو داعش كما يلقبها البعض!

القصة مكررة فى كل من انضم لداعش.. ذلك الفتى المقهور -الجاهل دينياً-.. والذى فشل فى تحقيق أى نجاح يذكر فى حياته العملية.. البعض منهم قد تورط أيضاً فى بعض الجرائم الجنائية.. ليبدأ بعدها فى البحث عما يشبع ذاته من خلال الدين..!

الفكرة أكثر بريقاً حتى من أن تحتاج لأن تنضم لتنظيم من أجلها.. فالبعض منهم قد قرر أن يهب نفسه لتطبيق الشريعة، كما يدعى منفرداً دون جماعة.. مثلما حدث مع عادل عسلية.. أو الشيخ عادل.. قاتل عم لمعى فى الإسكندرية منذ عدة أسابيع!!

إنه نموذج مثالى لجاهل، قرر أن يستمد ثقافته الدينية من أشرطة الكاسيت المنتشرة على أرصفة المساجد.. ودروس الإرهاب الدينى التى يتم تلقينها من جاهل آخر لا يختلف عنه كثيراً فى الزوايا الصغيرة دون رقيب من أحد.. ودون مسئولية على المؤسسة الدينية الرسمية!

لقد أطال ذقنه.. وبدأ فى البحث حوله عما يخالف شرع الله ليتخلص منه بقانونه الذى وضعه لنفسه..!

«عسلية» مثله مثل ذلك الذى هاجم صحيفة بوردو الفرنسية، الذى قتل الراهب الألمانى.. وأيضاً مثل الذين تورطوا فى تفجير ملهى تركيا الليلى عشية رأس السنة.. كلهم هذا الشيخ الذى قرر أن يطبق شريعة وجدها مجردة.. ولم يمهل نفسه لفهمها!!

كلهم افترضوا أن العصيان لتعاليم الدين خطيئة ينبغى أن تدفع حياتك ثمناً لها!.. حتى إن كانوا على غير الدين الإسلامى نفسه.. وحتى إن كلفهم ذلك حياتهم هم!

إنها عملية أشبه بالتفريخ.. تبدأ دوماً بذلك المثلث الملعون من الجهل والفقر والفشل.. وربما يتم تضخيم العملية أو الإسراع منها بالقهر والظلم بعض الشىء.. ليتم تخليق إرهابى جديد يطيل ذقنه ويحصل على اللقب.. ثم يبحث عن الدماء بلا انقطاع ظناً منه أنها قربان إلهى سيوفر له الطريق إلى الشهادة التى يرى أنها أفضل من حياته التى فشل فيها!

الطريف أن الثلاثية الملعونة وجدت ضالتها فى كل الفئات والمستويات الاجتماعية.. فمثلما تجد الفقير الذى يسعى لستر الفقر فى ذقن غير مهذبة وجلباب قصير.. تجد الثرى الذى اكتشف فراغ حياته الدنيوية المرفهة.. وتجد متوسط الحال الذى اقتنع بأن الحل فى اشتراكية الإسلام.. دون حتى أن يحاول قراءة النظرية بالكامل!!

إنها لعنة قد أصابت كبد الدين.. لعنة لن يفك طلاسمها تحديد موضوعات خطبة الجمعة لسنوات مقبلة.. ولن يواجهها شيوخ الفضائيات اللامعين.. بل لا سبيل للتخلص منها إلا بالسيطرة على منابع الفكر ذاته.. بتنظيف الأرصفة من كتب التنظير الدينى المتشدد.. وتطهير الزوايا والمساجد من جهلة الدين الذين يطيلون ذقونهم طمعاً فى لقب «الشيخ» الذى سيحمله دون جهد كبير..!

إلى متى سنعانى من هؤلاء المتبرعين لتطبيق حدود الله.. إلى متى سنترك من يشوه اللقب نفسه.. ونتوجس خيفة من كل من يطيل ذقنه.. ويلقبونه بـ«الشيخ» فلان!!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عماد الدين أديب

عماد الدين أديب

«لقد وقعنا فى الفخ»

محمود الكردوسى

محمود الكردوسى

يجعلها آخر «الواحات»

د. ياسر عبدالعزيز

د. ياسر عبدالعزيز

دماء زكية.. وإعلام غبى

د. محمود خليل

د. محمود خليل

الإعلام «البائس»

عاجل