نطالع يومياً خبراً جديداً عن سد جديد تبنيه هذه الدولة أو تلك من دول حوض النيل، لم يعد الأمر سد النهضة فقط، وهو لم يكن كذلك أبداً. فنحن إزاء مشكلة تتعلق بإعادة تقسيم مياه النيل بين كل دول الحوض، وليس فقط مجرد سد تقيمه إثيوبيا لتوليد الكهرباء. وهذا هو جوهر الخطأ الذى وقعت فيه الحكومة المصرية عندما ركّزت اهتمامها على سد النهضة، دون أن تعطى الاهتمام الواجب للتطورات الجارية منذ بضع سنوات، عندما دعت دول الحوض ما عدا مصر والسودان إلى لقاءات تشاورية ومفاوضات جديدة لإبرام معاهدة جديدة لإعادة تقاسم مياه النيل بينها، وأعلنت هذه الدول أنها لا تعترف باتفاقية 1959 التى حدّدت نصيب كل بلد من مياه النيل، والتى خصّصت لمصر 55 مليار متر مكعب سنوياً، وللسودان 18 مليار متر مكعب سنوياً. وأكدت جميع دول الحوض ما عدا مصر والسودان أن اتفاقية 1959 لا تلزمها، لأن الدول التى كانت تستعمرها هى التى وقّعت الاتفاقية بالنيابة عنها، وأن تقسيم المياه بموجب هذه الاتفاقية لم يكن عادلاً، ولم يراعِ مصالحها. وقد أصرت الحكومة المصرية والحكومة السودانية على مقاطعة المفاوضات التى جرت بين باقى دول حوض النيل، ورفضت التوقيع على مشروع الاتفاقية الجديدة التى توصلت إليها، ورغم المهلة الممنوحة من هذه الدول للسودان ومصر للانضمام إلى الاتفاقية، فإن الدولتين تجاهلتا هذه التطورات، ولم تصدر عن أى منهما أو من كليهما مبادرة بديلة للاتفاقية المقترحة، ولم تبديا الاهتمام الكافى بهذا التطور الخطير فى موقف دول حوض النيل. وراهنت الحكومة المصرية على أن بعض دول الحوض لن توقع الاتفاقية، وبالتالى لن يتوافر العدد الكافى من الدول الموقعة، الذى يمنحها قوة إلزامية على جميع دول الحوض. وبمضى الوقت وقّع العدد المطلوب من الدول لكى تكون الاتفاقية ملزمة لكل دول الحوض، بما فيها مصر والسودان. وواصلت الحكومات المصرية المتعاقبة منذ ثورة 25 يناير سياسات النظام القديم الحمقاء التى تصورت أن تجاهل هذه الدول يمكّنها من إعاقة تطبيق الاتفاقية. ونسيت هذه الحكومات أن تجاهل النظام السابق لأفريقيا وغياب أى دور لمصر قد بدّد رصيد مصر لدى الدول الأفريقية الذى تكوّن نتيجة سياسات مصر التحرُّرية فى عهد جمال عبدالناصر، وما قدّمته مصر لثورات التحرر الوطنى الأفريقية من مساندة سياسية عالمية ومساندة مالية ومساندة عسكرية. لم تعد مصر فى نظر الدول الأفريقية، الشقيقة الكبرى التى احتضنت حركات التحرر الوطنى الأفريقية، وفتحت مكاتب لها فى القاهرة، وقدّمت آلاف المنح الدراسية واللجوء السياسى لشباب وقادة الدول الأفريقية الذين تولوا بعد استقلال بلدانهم مناصب رفيعة مثل رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء ورئاسة الجامعات وغيرها من المناصب المهمة. أصبحت مصر فى عهد «مبارك» تابعة للغرب الاستعمارى، وغاب دورها تماماً فى أفريقيا، بينما نشطت إسرائيل فى تكوين علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، وقدّمت منحاً دراسية، وخدمات تكنولوجية بديلاً عن الدور المصرى. وها هى حكومة الدكتور هشام قنديل الذى قضى معظم حياته المهنية فى وزارة الرى المصرية، مسئولاً عن التعامل مع هذا الملف مديراً لمكتب وزير الرى، ووزيراً للرى، ورئيساً للوزراء لكنه لم يستفد شيئاً من هذه الخبرة الطويلة، وما يزال يسير على نهج حكومات ما قبل الثورة وما بعد الثورة من تجاهل للمشكلة الحقيقية وهى الوصول إلى تفاهم مع جميع دول الحوض حول كيفية إيجاد حل لا يؤدى إلى الإضرار بمصالح دولتى المصب مصر والسودان. بل إن المفارقة الكبرى فى هذا الصدد هى قرار رئيس الجمهورية مؤخراً بتشكيل لجنة وطنية لمعالجة مشكلة سد النهضة، فى تجاهل تام للمشكلة الكبرى، وهى استعادة التفاهم مع كل دول الحوض، وليس مع أثيوبيا فقط.
ما تزال هناك إمكانية لتدارك هذا القصور إذا طرحت مصر مبادرة جديدة للقاء كل دول الحوض، نستخدم فى هذا اللقاء كل الأوراق المتاحة للوصول إلى توافق يراعى مصالح هذه الدول ولا يؤثر على حصة مصر المقررة مسبقاً وهى 55 مليار متر مكعب، خصوصاً أن تعداد الشعب المصرى تضاعف عدة مرات منذ توقيع اتفاقية 1959، وأن مصر تعانى فعلاً من الفقر المائى. ومن بين الأوراق التى يمكن أن تستخدمها مصر للوصول إلى هذا التفاهم، المساعدة فى تنفيذ مشروعات حيوية فى هذه البلدان تمكنها من توليد الكهرباء التى تحتاج إليها واستصلاح الأراضى الزراعية، خصوصاً أنها تعتمد فى الزراعة على مياه الأمطار أساساً. ويمكن الوصول إلى خريطة طريق للنهوض بدول المنبع تشمل مشروعات متكاملة زراعية وصناعية وبيئية والطاقة، وإيجاد بدائل تسهم فى حل مشكلات المنطقة، ومما يساعد على أن يكون لمصر تأثير واضح من خلال هذه المبادرة أن القانون الدولى يلزم دول المنبع لأى نهر بعدم الإضرار بدول المصب. ومن الأمور الجديرة بالبحث أيضاً إمكانية استئناف تنفيذ مشروع قناة «جونجلى» فى جنوب السودان التى توفر كميات هائلة تضيع فى المستنقعات. ويمكن لمصر أن تستفيد من علاقتها مع بعض الدول التى تمول مشاريع جديدة فى دول حوض النيل مثل الصين ودول الخليج لإقناع هذه الدول بالوصول إلى تفاهمات جديدة تحفظ للجميع مصالحهم ولا تكون على حساب دول المصب التى سوف تتضرر بشدة إذا نقصت كميات المياه المخصصة لها. على الحكومة المصرية أن تدرك مبكراً أن الأمر لم يعد خاصاً بسد النهضة فقط، بل يتعلق أساساً بكل المشروعات التى تنوى دول الحوض تنفيذها. وأن تكون مصر طرفاً فاعلاً فى هذه العملية بدلاً من الاكتفاء بتجاهلها كما حدث من قبل، فكانت النتائج بالغة السوء بالنسبة لنا.