د. عماد جاد د. عماد جاد ازدراء الأديـان
الثلاثاء 18-04-2017 | PM 10:01

جملة عامة مطاطة تسببت فى إيذاء عشرات المبدعين والمفكرين فى بر مصر، كلمتان تسببتا فى إسالة دماء مبدعين ومفكرين مصريين، عبارة قادت إلى هروب أطفال مصريين من قريتهم بمركز سمالوط محافظة المنيا بعد أن استخدمها أحد قضاة مصر ليحكم على أربعة أطفال بالسجن خمس سنوات. كلمتان معلبتان جاهزتان للاستخدام من قبل أى شخص يوجههما إلى أى شخص آخر، فيكون مصيره ما بين السجن أو القتل وإذا تمكن فيكون الفرار خارج البلاد.

تمت صياغة فقرة فى قانون العقوبات تحدد عقوبة من توجه إليه تهمة ازدراء الأديان، وهى الفقرة (و) من المادة (٩٨) من قانون العقوبات. فقرة شديدة القسوة تمت صياغتها بعناية فى عهد الرئيس المؤمن «أنور السادات»، وكان المبرر هو وقف تيار الإساءة للديانة المسيحية بعد أن باتت مستباحة على يد شيوخ التطرف والتشدد، وكانت تتعرض للتجريح ليل نهار على المنابر ومن خلال شاشات التليفزيون المصرى. كتبت صياغة المادة بحيث توجه التهمة إلى كل من يسىء إلى الديانات الإبراهيمية، وكانت النتيجة أن التهمة وجهت باستمرار إما إلى أقباط مصريين بالإساءة إلى الإسلام، أو إلى مبدعين ومفكرين والتهمة ذاتها هى هى، جرى قتل المفكر فرج فودة بعد أن وجهت إليه هذه التهمة، فقد تلقف أحد المتشددين ما قيل من أحد الشيوخ بحق فرج فودة وقام بقتله رمياً بالرصاص، وقضى القاتل سنوات فى السجن إلى أن أفرج عنه محمد مرسى، إلى أن قتل الشهر الماضى وهو يجاهد مع جبهة النصرة على الأراضى السورية. جرى توجيه نفس التهمة إلى العالم نصر حامد أبوزيد، وقضى القضاء المصرى بكفره ومن ثم تطليق زوجته منه، فغادر الرجل وزوجته البلاد إلى أن توفى فى ظروف غامضة بعد زيارة إلى إندونيسيا. جرى توجيه التهمة كذلك إلى إسلام بحيرى وفاطمة ناعوت وغيرهما من الكتاب والمبدعين، ودفع بعض الأقباط ثمناً باهظاً لوجود هذه الفقرة، فقد تمت محاكمة شباب قبطى بهذه التهمة، ولعل أبرز هذه المحاكمات قصة «دميانة» المدرسة التى شهد أطفال دون الثامنة من عمرهم أنهم سمعوها وهى تسىء إلى الإسلام، فألقى القبض عليها وجرت محاكمتها على غرار محاكم العصور الوسطى، أيضاً هناك مدرسون أقباط تم توجيه التهمة إليهم وملاحقتهم قضائياً دون وجود أدلة دامغة على ذلك، ففى حين يقول المبدأ القضائى إن إفلات متهمين من العقاب خير من سجن برىء، إلا أن هذا المبدأ يتوقف تماماً فى حال محاكمة أقباط بتهمة الإساءة إلى الإسلام، فهناك من بين قضاة مصر من يعتبر إصدار حكم مشدد بحق قبطى وجهت له تهمة الإساءة إلى الإسلام، فيه نوع من الجهاد الذى سوف يثاب عليه فى اليوم الآخر.

ولعل القصة الأشهر والأبرز هنا هى قصة أطفال سمالوط الأربعة الذين قاموا بتمثيل طريقة داعش فى قتل ضحاياهم، وجرى ذلك بعد ذبح مواطنى محافظتهم على يد داعش فى ليبيا، فشاهد أحد المدرسين المشهد فتقدم ببلاغ ضدهم على أساس أن ما قاموا به من حركات تمثيلية «مدتها خمسون ثانية» يمثل إساءة للإسلام، ألقى القبض على الأطفال، وقضت النيابة بحبسهم ٤٥ يوماً ووضعوا فى حجز الكبار، فنالهم العقاب الشديد وتعرضوا لانتهاكات بشعة من قبل مجرمين فى الحجز علموا أنهم أقباط موجهة إليهم تهمة ازدراء الإسلام، فقد تحول الجميع فى لحظة إلى مؤمنين تقاة، واعتبروا ضرب هؤلاء الأطفال نوعاً من الدفاع عن الإسلام. بعد الحجز ٤٥ يوماً أخلى سبيلهم بكفالة مالية، فهرب الأطفال خارج قريتهم، وحكم القاضى عليهم غيابياً بالعقوبة القصوى فى هذه المادة وهى السجن خمس سنوات، والمادة تنص على عقوبة مالية تتراوح ما بين خمسمائة جنيه وعشرة آلاف جنيه، أو السجن ما بين ستة أشهر وخمس سنوات، فحكم عليهم القاضى المصرى بالعقوبة الأشد وهى خمس سنوات، فهرب الأطفال واختفوا ولا أحد يعلم أين هم حتى الآن؟

تقدمت الدكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة بجامعة الأزهر، وعضو مجلس النواب المصرى باقتراح إلغاء هذه الفقرة، وأسست لطلبها فقهياً وفلسفياً، مؤكدة أن المادة تسىء إلى الإسلام وتتصادم مع نصوص القرآن، ولكن ممثل وزارة العدل الذى حضر نقاش اللجنة الدستورية والتشريعية، دافع دفاعاً مستميتاً عن بقاء الفقرة (و) من المادة (٩٨)، مؤكداً أن فى الإبقاء عليها مصلحة لأمن مصر واستقرارها! وانتهى الأمر برفض اقتراح د. آمنة نصير.

وللحديث بقية

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عماد الدين أديب

عماد الدين أديب

«هو المنطق قلة أدب»؟!

د. ناجح إبراهيم

د. ناجح إبراهيم

ثمانون عاماً من العنف

د. محمود خليل

د. محمود خليل

«تأبَّط شرّاً»

عاجل