زمان.. كنت أهوى تحليل سلوكيات الطيور وبعض الحيوانات المتاحة.. كنت أتتبع قوافل النمل، وأضع الحواجز فى طريقها، لأرصد كيف تتصرف.. أحبس عصفوراً فى قفص، ثم أطلقه فى غرفة، ومنها إلى السماء.. كانت النتيجة دائماً واحدة: لقد منح الله عز وجل كل مخلوق عقلاً.. كبر أو صغر.. المهم أنه يتناسب مع طبيعته.. النمل بصغر حجمه، لا بد أن يمتلك ذكاء المناورة.. والعصفور بجناحيه ينبغى أن يحلق دوماً فى السماء!
كبرت.. وكبرت معى الهواية.. يمكنك أن تعتبرها «نصف احتراف».. ولكننى أضحيت أهتم بالإنسان.. قرأت كثيراً فى التحليل السلوكى والطب النفسى، أصدقائى كثيرون من الأطباء النفسيين، وعلى رأسهم د. أحمد عكاشة.. أحاوره كثيراً وأناكفه أكثر، حتى بات يطلق علىّ «ربع طبيب نفسى».. أغضب منه أحياناً لأنه يرفض ترقيتى إلى «نص طبيب نفسى»!
مرة أرهقت نفسى فى جمع معلومات عن الأدوية المعالجة.. وذهبت إليه للحصول على الترقية.. أعجبته الخطوة وأدهشه الإصرار.. ولكنه رفض من جديد، قائلاً: «لازم تدخل كلية الطب».. أرد غاضباً: «كنت أدبى ودخلت إعلام»، فيرد ضاحكاً: «ارجع للثانوية وادخل علمى»!
على حد علمى المتواضع فى التحليل السلوكى.. أخاف على مصر وأشفق على أبنائنا.. انحرف العقل الفردى لكل منا، وغاب العقل الجماعى.. ولك فى الأزمة المصرية - السعودية ألف مليون دليل.. شعب ينتفض، ويفتح جبهة حرب ضد أشقاء عرب ومسلمين، لأن مواطناً يخضع للتحقيق فى قضية «جلب مخدرات».. عقل يتحرك دون رؤية ومنطق، فيفرز طاقة سلوكية غاضبة قبل تبرئة أو إدانة المتهم «أحمد الجيزاوى».. إعلام يتخذ من القضية منصة لكشف سوآت السعودية، ونسى أو تناسى أن كلنا فى السوآت عرب!
للمرة المليون.. يرتكن العقل المصرى إلى نظرية المؤامرة والتلفيق قبل اكتمال الصورة.. والمدهش أن أحداً منا لم يسأل نفسه: ولماذا لا تكون مؤامرة من طرف ثالث؟! وسؤال آخر: من بمقدوره معرفة ما إذا كان «الجيزاوى» بريئاً أم مداناً؟! وسؤال أصعب: إذا كان من حقنا التظاهر دفاعاً عن قضية نؤمن بها، فهل «شريعة التظاهر» قطعت بعدم جواز الاحتجاج دون الأحذية؟ أيجوز التظاهر بـ«الخُف».. أم نمسح عليه ثم نتظاهر؟!
يروون فى الأثر أن رجلاً ظل سنوات يتوجس من جيرانه أن يحفروا له حفرة فيسقط فيها.. كان يتعمد تغيير طريقه فى الظلام كل ليلة.. وذات ليلة سقط فى بئر عميقة.. هل تعرفون لماذا؟! لأنه لم يسلك الطريق الممهد الذى يسلكه كل الناس!
نحن نهجر كل الطرق التى يسير فيها العالم.. ونختار دائماً حفر الحفر.. وحين تزل القدم.. نصرخ «الحقونا.. مؤامرة»!