حمزة نمرة حمزة نمرة بين الحوْقَلة والحسبَنة
الإثنين 12-11-2012 | AM 08:03

فى نهاية يوم المرمطة الأسبوعية على أحد ملاعب كرة القدم الخماسية، وقفت أنا والأصدقاء كما تعودنا عند أحد محلات العصير الشهيرة.. وبينما نحن محتاسون فى اختيار العصائر وأحجامها، أطلّ علينا من جهاز التلفاز المعلق على الحائط إعلان قبيح لفيلم من «أفلام العيد». طبعاً يكفى هذا الاسم -بالنسبة لجيلنا اللى ما يعلم به إلا ربنا- لكى تنطبع فى مخيلتنا صورة تلقائية لأحط أنواع الأفلام وأردئها..المهم بلاش نفسر أكتر من كده. كان السؤال الأكثر إلحاحاً بين زوابع الحوقلة والحسبنة هو «طب وفين الرقابة من ده كله؟». الرقابة الفنية -فى رأيى- لم تكن يوماً الحل الأمثل لمنع الابتذال والرخص والانحطاط الفنى.. ووجودها أصلاً يخلق تشوهاً مجتمعياً، لأن فئة محدودة -والتى تكون عادة غير معبرة عن المجتمع- هى التى تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع.. وكم من مسموح رفضه المجتمع وأقام الدنيا ولم يقعدها.. وكم من ممنوع انتشر بين الناس رغم أنف الجميع! إن عرض الفنان لأعماله قبل نشرها على الرقابة، تماماً كالذى يقود سيارته ويسأل شخصاً كل خمس دقائق عن إمكانية دخول هذا الشارع أم لا.. فيجيب الشخص «لا استنى مش دلوقتى» أو «خش بس بزاوية ٣٠ درجة» أو «انت بالذات لأ».. والمنطقى هو أن تقود سيارتك وأنت حر فى اختيار وجهتك وطريقك وتوقيت خروجك، ولكن كل ذلك يكون بناء على معرفتك بكل ما يعد خرقاً لقانون المرور... وهذا ما وصَلَت إليه حتى أكثر الدول تحرراً.. وهو أن لا رقابة، ولكن أيضاً لا حرية دون قانون كما قال فلاسفة اليونان قديماً.. وخذ عندك مثلاً.. فى فرنسا، منع قاضٍ ملصقاً دعائياً لأحد بيوت الموضة عام ٢٠٠٥ والمستوحى من لوحة العشاء الأخير للرسام ليوناردو دافينشى، حيث اعتبره القاضى مسيئاً للروم الكاثوليك.. وفى كندا يحظر القانون الخطابات والأفكار والكلام والصور التى تحض على الكراهية ضد أى دين، أو تعتبر مسيئة أخلاقياً من الناحية الجنسية.. هذا بخلاف مقياس ميللر الذى وضعته المحكمة العليا بالولايات المتحدة لتحديد ما يمكن اعتباره إساءة أو خرقاً لحدود حرية التعبير! إذن فإن الحرية الفنية المطلقة هى خيال محض، لأنها مقيّدة بالمجتمع وثقافته ولغته وقيمه، ولا وجود لها حتى داخل عقل ووجدان المبدع.. لأن إبداعه أصلاً مقيّد بحدود معرفته ولغته وثقافته ومعتقده.. لست فى حاجة لأن تتفق بالضرورة مع كل ما قلتُه، وأنتظر المزيد من الآراء والأطروحات وربما سأكتب عنه فى مقالات لاحقة.. لكن لنتفق على أن مسألة الرقابة والحرية الفنية تحتاج إلى مزيد من النقاش والتفكير والتأمل، بعيداً عن تشنجات المتعصبين لفرض الوصاية الفكرية على المجتمع، وهوس الحالمين بخرافة الحرية الفنية المطلقة. بقى أن أقول إن القانون فى حد ذاته لا يمنع الانحطاط الفنى، إنما يمنعه الوعى والتعليم والنمو الاقتصادى والاجتماعى والقدوة فى البيت والشارع.. وبدون ذلك كله، سنبقى فى نفس الانفصام، الناس فى وادٍ.. والقانون فى وادٍ آخر.. وسيظل الفيلم إياه محققاً أعلى إيرادات السينما.. بين زوابع الحَوْقَلة والحَسْبَنة.

تعليقات الفيس بوك

عاجل