الإقليم المشتعل.. عوامل تأثير الجغرافيا فى بناء الجيوش

كتب: إعداد:العميد طارق الحريرى

الإقليم المشتعل.. عوامل تأثير الجغرافيا فى بناء الجيوش

الإقليم المشتعل.. عوامل تأثير الجغرافيا فى بناء الجيوش

تفرض الجغرافيا كلمة عليا فى بناء الجيوش؛ لأن الطبيعة الجغرافية للدول تبلغ من قوة التأثير أنها تفرض شروطاً إجبارية فيما يخص الهيكل التنظيمى للجيش ونوعية التسليح وتدريب القوات وقواعد خدمة الميدان والتكتيكات المستخدمة فى مسارح العمليات؛ فالدول الحبيسة التى لا تمتلك سواحل على بحار غير معنية بوجود قوات بحرية، بينما تشكل القوات البحرية أهمية قصوى للدول التى تمتلك شريطاً ساحلياً طويلاً على أكثر من بحر أو محيط كالولايات المتحدة الأمريكية، أو إذا كانت الدولة جزيرة أو مجموعة جزر مثل بريطانيا، وكثير من دول جنوب شرق آسيا، وكمثال آخر فإن البلدان ذات الطبيعة الجبلية تخفف من استخدام أسلحة القتال الرئيسية الثقيلة نظراً لصعوبة الفتح فى تشكيلات قتال على مواجهات واسعة، ومن أمثلة هذا البلدان سويسرا واليمن، وبالنسبة للدول التى تنتشر وتتلاحم المدن فى الاتجاهات المعرضة لتهديدات محتملة يصبح من الضرورى تدريب قواتها على أساليب حرب المدن وهكذا فى الدول ذات الطبيعة الزراعية أو تلك ذات المساحات الصحراوية الشاسعة تكون مضطرة لترتيبات تتفق مع طبيعتها وتنعكس البيئة الجغرافية على الجيوش فى عناصر عديدة تتمثل فى:

{long_qoute_1}

1- تلعب الحدود المشتركة بين الدول دوراً حاسماً فى بناء القوات المسلحة؛ لأنها تحمل فى طياتها عوامل الخطر أو الاستقرار وبالتالى كلما زادت التهديدات من دولة أو أكثر من الدول المجاورة يتضاعف الاهتمام بتقوية القوات المسلحة حتى تستطيع الدولة الحفاظ على حدودها، لا سيما أن هناك خلافات كثيرة متوارثة بين دول عدة حول ترسيم الحدود برياً وبحرياً، وتشهد بعض الدول الأفريقية والآسيوية كثيراً من النزاعات مثل النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير، والنزاع الصينى مع أكثر من دولة حول ترسيم الحدود فى بحر الصين الجنوبى، وهنا تتكشف أهمية أن مصر استطاعت عبر تاريخها الطويل أن تحافظ على حدود ثابتة نأت بها عن مثل هذه الصراعات مع جيرانها عدا منطقة متناهية الصغر فى الجنوب الشرقى فى حلايب حاول نظام الحكم فى السودان أن يجعل منها مشكلة يشغل بها الرأى العام نتيجة مشكلات سياسية داخلية لكنه فشل فى هذا.

2- تؤثر طبوغرافية الأرض فى مناطق الحدود على تشكيل القوات؛ فالدول ذات الحدود المفتوحة فى مناطق صحراوية أو زراعية تبلغ مئات الكيلومترات أو تزيد على 1000 كم يصعب أن تترك عملية تأمينها لقوات شرطية ويوكل الأمر لقوات حرس الحدود التى تقوم بالمراقبة بوسائل عسكرية من عربات مدرعة وطائرات استطلاع وتقوم بمواجهة أعمال التهريب والتسلل، بالإضافة إلى عناصر مدربة فى اقتفاء الأثر بينما لا تحتاج الدول ذات مناطق الحدود الجبلية الوعرة التى تتصل بجيرانها عن طريق منافذ محكومة جغرافياً ومحدودة إلى قوات حرس حدود بأعداد كبيرة بل يمكن الاستعاضة عنها بمراكز شرطية.

3- الدول ذات الحدود البحرية المتداخلة أو المفتوحة على بحار ومحيطات تحتاج إلى قوات كبيرة من حرس السواحل وبالطبع كلما زادت هذه السواحل طولاً زادت الاحتياجات من هذه القوات كما تحتاج هذه الدول إلى قوات بحرية قوية لمواجهة احتمالات الهجوم البحرى الذى تغرى به سواحلها فى حالة نشوء نزاعات مسلحة، فى حين أن الدول الحبيسة التى لا تمتلك منفذاً بحرياً لا تحتاج إلى أى تشكيلات أو أنظمة بحرية.

4- يرتبط موقع الدولة ارتباطاً وثيقاً بمناخها وأحوال الطقس؛ فأجواء دولة يغطيها الجليد فترة طويلة من العام ولا تشرق فيها الشمس إلا لأيام قليلة طوال السنة مثل السويد مثلاً تحتاج أسلحة ومعدات ذات تجهيزات خاصة ويتزايد استخدامها لمعدات الرؤية الليلية وملابس ميدانية وأدوات تختلف كثيراً مقارنة بالدول ذات الأجواء الحارة وتختلف كثيراً بينهما عمليات تجهيز السلاح؛ فالجنود داخل العربة المدرعة أو الدبابات فى درجات الحرارة تحت الصفر يحتاجون أجهزة تدفئة داخل المركبة بينما الجنود فى مناطق الأجواء شديدة السخونة يحتاجون لأجهزة تبريد بينما تحتاج الأسلحة والمعدات فى البيئات الصحراوية إلى إجراءات وقاية وصيانة تقى من الأتربة والغبار.

5- يلعب الموقع الإقليمى للدولة دوراً مهماً فى درجة التأثير على أمنها القومى، فهناك أقاليم مستقرة والأوضاع السياسية والعسكرية هادئة فيها مثل منطقة الدول الاسكندنافية على سبيل المثال لا الحصر، بينما توجد أقاليم مشتعلة بالصراعات السياسية والعسكرية مثل إقليم الشرق الأوسط الذى يموج بحالة من عدم الاستقرار منذ بدايات القرن العشرين مع وجود مشكلات مزمنة فيه وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كما أن الإنتاج الضخم من البترول ووجود احتياطات ضخمة منه فى الإقليم أدت لفترات طويلة إلى انقسام دوله إلى دول محافظة وأخرى راديكالية برعاية من الدول الكبرى التى تعتمد على هذا البترول وساهمت بذلك فى تأجيج نوعية سياسية جديدة من الصراعات.

{long_qoute_2}

القوات المسلحة المصرية والجغرافيا

أثرت الجغرافيا على استراتيجية بناء القوات المسلحة فى مصر، فالدولة المصرية بمعطيات هذه الجغرافيا كانت طرفاً رئيسياً فى جولات الصراع العربى الإسرائيلى منذ اندلاعه بحكم الجغرافيا باعتبارها أحد الجوانب المتعلقة بانخراط مصر فى كافة جولات هذا الصراع منذ عام 1948 مع عدم إغفال أنه بعد قيام دولة إسرائيل فقد كانت هناك دائماً أطماع لدى تل أبيب فى اقتطاع أراضٍ من مصر فى شبه جزيرة سيناء ولولا الحدود المشتركة لما كانت هذه الأطماع ستصبح موجودة وطالما الشىء بالشىء يذكر فيجب عدم نسيان اللوحة المعلقة على الكنيست بأن حدود دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات صنعتها أساطير دينية مصطنعة، وهكذا وجدت مصر نفسها مجبرة على مواجهة هذا التحدى بقوات مسلحة قوية ومتأهبة دائماً، وبحكم الجغرافيا كان احتلال سيناء فى عام 1956 بالتعاون مع قوى إمبراطورية آفلة جزءاً من أطماع إسرائيل الجغرافية وخرافات أساطيرها ومحاولة كبح قوة إقليمية تتصف بنزعات رفض التبعية واستقلال القرار الوطنى، ما يشكل تهديداً قوياً لإسرائيل وبنفس هذا المنطق وبحكم الجغرافيا مرة أخرى كعامل رئيسى -من عوامل أخرى ذات أهمية لا يتسع مجال الموضوع لاستعراضها- كان الهجوم على مصر سنة 1967 حيث كانت إسرائيل تتصور أنها بهذا نجحت فى تأمين جغرافيتها لكنها اكتشفت زيف هذا الوهم وسقوطه بما تكبدته من خسائر مروعة طوال حرب الاستنزاف رغم وجود مانع مائى قوى يتمثل فى قناة السويس بين قواتها والقوات المصرية وبدأت هذه الحرب بعد أيام من نجاح إسرائيل فى تدمير 85% من أسلحة الجيش المصرى وفى حرب السادس من أكتوبر عام 1973 رغم التحرير الجزئى لسيناء تأكدت إسرائيل أن استمرار الصراع المسلح مع مصر لن يفضى إلا لمزيد من الخسائر لذلك تخلت عن عقيدتها العدوانية تجاه مصر وقبلت باتفاقية السلام، وبحكم الجغرافيا بعد هذه الاتفاقية حافظت القوات المسلحة المصرية على عقيدتها القتالية ومستويات التسليح والتدريب لأن درس التاريخ يثبت أن توازن القوى يحافظ على استمرار السلام وأن تراجع القوة لدى جيش بين بلدين خاضا صراعاً طويلاً يغرى الطرف المبادر على العدوان دائماً بتكراره إذا تهاون الطرف الآخر.

لقد قفزت القوات المسلحة المصرية فى العامين الأخيرين قفزة هائلة فى مستويات التسليح والوصول إلى أحدث أجيال السلاح وأنواعه المتميزة والسبب الرئيسى لذلك أن الإقليم تحول إلى بؤرة صراع «فظيعة» نتيجة تدخلات وأطماع إقليمية ودولية خطيرة غذت إرهاب الإسلام السياسى المسلح وأدارت حروباً بالوكالة فى أكثر من بلد، وفى هذه الجغرافيا الإقليمية المشتعلة لم يتوان متخذ القرار فى مصر عن أداء الدور الوطنى الواجب والحتمى بتطوير القوات المسلحة والارتقاء بها إلى مستويات غير مسبوقة لمواجهة تحديات الجغرافيا فى الإقليم، وقد صح القرار وتأكد بعد أن وصل التهديد للأمن القومى المصرى إلى تخوم حدودها المباشرة فى ليبيا مع وصول «داعش» إلى هناك، وفى مثل هذه الظروف التى يتفشى فيها إرهاب الإسلام السياسى المسلح العابر للدولة القومية فإن التهديدات سواء من الإرهاب أو من غيره أصبحت تشكل دوائر خطر أخرى غير متوقعة من الممكن أن تستجد على الإقليم ما بين عشية وضحاها.

 

 


مواضيع متعلقة