6 ملايين موظف يستنزفون ثلث الموازنة.. والنتيجة: لا إنتاج ولا كفاءة

كتب: إمام أحمد

6 ملايين موظف يستنزفون ثلث الموازنة.. والنتيجة: لا إنتاج ولا كفاءة

6 ملايين موظف يستنزفون ثلث الموازنة.. والنتيجة: لا إنتاج ولا كفاءة

مشكلات لا تنتهى، وشكاوى لا تتوقف، فى ظل إنتاجية ضعيفة ورقابة غائبة وكفاءة دون المستوى يعانى منها الجهاز الإدارى للدولة، الذى يتهمه كثيرون بأنه عقبة كبيرة على طريق التقدم والنمو لا بد من «نسفها» للتخلص منها، ويدافع عنه البعض من زاوية أخرى بوصفه ضحية لسياسات سلبية مارستها أنظمة سابقة، وأنه فى حاجة فقط لعملية «تطوير» لتحسين الأداء والفاعلية، بداية من العنصر البشرى مروراً إلى القوانين والقواعد المنظمة.

{long_qoute_1}

6.4 مليون موظف، إجمالى العاملين بالجهاز الإدارى للدولة وفق آخر إحصاء رسمى، «مصيبة سودا».. بهذا الوصف علق هيثم سعد الدين المتحدث باسم وزارة القوى العاملة، مشيراً إلى أن هذه القوى الوظيفية الضخمة تكلف ميزانية الدولة 218 مليار جنيه سنوياً أجوراً فقط، أى ثلث الموازنة العامة، لكن الأمر ليس وليد السنوات الأخيرة فحسب، فهو تركة ظلت تزداد تضخماً عاماً تلو الآخر على مدار العقود الستة الماضية، موضحاً: «هذا الجهاز متضخم جداً، وبداية الأزمة منذ أن كانت الدولة تتكفل بتعيين الخريجين فى وظائف حكومية منذ عام 1964، واستمر الأمر حتى أوقف كمال الجنزورى عندما كان رئيساً للوزراء هذا التوجه فى عام 85، العام الذى شهد تعيين آخر دفعة للخريجين من خلال القوى العاملة»، واستطرد: «لو كنا استمرينا على نفس الطريق كان زمانا بنشحت دلوقتى، دى أمريكا بجلالة قدرها عندها 18 ألف موظف حكومى فقط، وإحنا قربنا من الـ6 ونصف مليون». يرى «سعد الدين» أن حل الأزمة فى قانون الخدمة المدنية «اللى السادة نواب البرلمان اعترضوا عليه»، حسب قوله. بحكم عمله واطلاعه يدافع عن القانون بشدة: «هذا القانون هو الحل والخلاص، وببساطة شديدة يكفى أنه تمكن من توفير 16 مليار جنيه لخزينة الدولة منذ تطبيقه فى أبريل 2015، ومن الممكن إجراء تعديلات بسيطة على بعض مواده، لكنه إجمالاً يقودنا إلى الطريق الصحيح لترشيد جهاز الدولة ورفع كفاءته وتقليص أعداده الضخمة للنصف مثلاً فى ظرف 3 سنوات، وعلى المعترضين أن يقرأوه ويفهموه ويدركوا حجم المشكلة التى تعانى منها مصر فى هذه المرحلة».

{long_qoute_2}

برغم أهمية القانون، فإن الأزمة متشعبة إلى حد كبير، لا يمكن حلها بخطوة واحدة أو إجراء سريع بحسب الدكتور صفوت النحاس، رئيس جهاز التنظيم والإدارة سابقاً، الذى أشار إلى أبرز مشكلات الجهاز الإدارى فى نقاط عديدة: «مشكلتنا الأولى أن لدينا فائضاً كبيراً من العاملين، وازدواجية فى مهام وأدوار بعض الهيئات والمصالح، والهياكل التنظيمة قديمة ويجب أن تخضع للتطوير، نحن ما زلنا نعمل بالهيكل الهرمى القديم وهذا غير مناسب حالياً ولا يلائم خطط النمو المستهدفة، ويجب أن يكون الهيكل التنظيمى مسطحاً ويضم مجموعات عمل متنوعة، وهذا أمر يفهمه كل الذين يعملون فى الإدارة، وهو يرتبط من جهة أخرى بشكل وطبيعة الموازنة العامة للدولة التى من الضرورى أن تتغير من موازنة الأبواب والبنود إلى موازنة البرامج والأهداف، وبالتالى الإصلاح عملية شاملة وليس إجراءات جزئية»، يشدد «النحاس» على المشكلة الأولى التى أشار إليها، والمتعلقة بـ«فائض العمالة»، فيقول: «فى الدول النامية اللى زى حالتنا، المعدل المتوسط لجهازها الإدارى هو موظف واحد لكل 50 مواطناً من إجمالى عدد السكان، وفى بعض الدول تنخفض قوة الجهاز الإدارى إلى موظف واحد لكل 80 مواطناً، أما فى الدول المتقدمة فتنخفض القوة إلى موظف لكل 140 مواطناً، لكن فى مصر الحال مختلف، لدينا موظف واحد لكل 13 مواطناً فقط»، مستدركاً فى اندهاش مصحوباً بغضب بعد برهة من الصمت: «شىء عجيب جداً، ولا يمكن الإبقاء على هذا الوضع المأساوى، جهاز إدارى مكدس لأعلى درجة ومترهل ولا بد من تخفيض أعداد العاملين به وإلا فالدولة كلها لن تستطيع السير إلى الأمام بهذا الحمل الثقيل»، يؤكد أن تخفيض الأعداد قد يثير مخاوف بعض العاملين وأسرهم، لكنه يستدرك فى الوقت نفسه: «هذا أمر ضرورى، والتخفيض لن يكون بالاستغناء عن الموظفين والعاملين جزافاً، لكن من خلال خطة شاملة ومتدرجة للهيكلة والتطوير وتحسين وتوفيق الأوضاع مع مراعاة جميع الأطراف على فترة طويلة من 10 إلى 15 عاماً».

الرئيس الأسبق لجهاز التنظيم والإدارة، أوضح أن هناك عدة إجراءات من الممكن اتخاذها تساعد فى حل أزمة الجهاز الإدارى، والحد من الفساد المالى أو الإدارى والبيروقراطى الذى يشوبه: «من أهم هذه الإجراءات التى يجب اتخاذها ميكنة كل الأعمال الحكومية حتى الأساسية والخدمات المقدمة للجمهور، وهذا يقضى على الفساد بنسبة كبيرة، ومن المقترح أن يكون داخل كل وحدة كيان منفصل مسئول عن تقديم الخدمة ويتمتع باختصاصات الوزير المختص، وكل خدمة يحدد لها الوثائق والوقت والرسوم المطلوبة ويكون كل ذلك معلنًا للمستخدم، ما يغلق باب الفساد إلى حد كبير، ولا بد من إنشاء الهيئة القومية للجودة والاعتماد للوحدات الحكومية، ووظيفتها التحقق من توافر المعايير التى تضعها الدولة داخل الهيئات المختلفة، خاصة أن التفتيش حالياً يتم بصورة شكلية نمطية ولا يحقق الغرض منه، أيضاً يجب الاهتمام بالتدريب البشرى على عدة مراحل ومستويات بما يغطى جميع العاملين بالجهاز، وعقد دورات العمل وتوثيقها مع الاستفادة من التجارب الخارجية الناجحة»، يضيف «النحاس» أن كل هذه الإجراءات مهمة جداً، لكن تبقى الرغبة والإرادة والقناعة لدى الوحدة الأساسية لجهاز الدولة، المتمثلة فى الموظف، هى الجانب الأهم فى هذا التطوير: «يعنى لازم ننقل للموظف نفسه أن هذا التغيير فى صالحه وصالح الجميع، ونقنعه بذلك، لا نجبره عليه، ونخلق حالة عامة بين المواطنين داعمة ومؤيدة لهذا التطوير».

الاهتمام بالعنصر البشرى، من خلال تطوير مهاراته وسلوكياته وأفكاره وتحسين أوضاعه مادياً ومهنياً، فى إطار خطة تنمية وتطوير الجهاز الإدارى للدولة، أمر فى غاية الأهمية بحسب تأكيد الدكتورة إيمان مرعى، الخبيرة فى علوم الإدارة: «يجب العمل على تغيير الاتجاهات السلوكية للعاملين، فقد تكون التشريعات والنظم البيروقراطية ملائمة لكن تبقى سلوكيات العاملين مشكلة مهمة يجب عدم التهوين منها، فالسلوك البشرى هو الحاسم فى العمل الإدارى، الأمر الذى يتطلب وضع مدونة سلوك لموظفى الخدمة المدنية، وإيجاد مناخ وظروف عمل مواتية تسمح بتحقيق وتفعيل هذه الأهداف وآليات تطبيقها، مع التحسين المستمر لأحوال العاملين بالدولة مادياً ومهنياً، والاهتمام بالعلاقات الإنسانية، مع إرساء ثقافة الثواب والعقاب من خلال تحديث نظام الجزاءات والعقوبات بحيث يكون أكثر فاعلية وقابلية للتطبيق».

عملية الإصلاح تتطلب تحقيق التوازن والتكامل بين مكونات عملية الإصلاح الإدارى نفسها، فتركيز خطة الإصلاح على عنصر أو مكون معين دون بقية المكونات قد يؤدى إلى الإخلال بمجمل العملية أو عدم تحقيق أهدافها، ما تؤكده خبيرة الإدارة بقولها: «لا بد أن تركز خطة الإصلاح على الجوانب الماكرو-إدارية، والجوانب الميكرو-إدارية. ويقصد بالجوانب الماكرو-إدارية أنماط إدارة الدولة ككل، بما فى ذلك توزيع الأدوار بين أجهزة الدولة، والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأسلوب عمل مجلس الوزراء. أما الجوانب الميكرو-إدارية فتشمل أداء الوحدات الحكومية والمؤسسات العامة وتطويرها ورفع إنتاجيتها وتحسين أدائها، وضرورة الاستفادة من سياسة اللامركزية الجغرافية والوظيفية، وتفويض السلطات»، تشدد على أنه لا بد من التعامل مع عملية الإصلاح الإدارى باعتبارها عملية متكاملة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين تنمية الموارد البشرية، والتنمية المؤسسية، والقيمية، بالإضافة إلى التحديث التكنولوجى.

 


مواضيع متعلقة