«مراتى».. السجان الذى أعشقه!!

كتب: د. صلاح هاشم

«مراتى».. السجان الذى أعشقه!!

«مراتى».. السجان الذى أعشقه!!

لم تكن الكتابة عن شخص شاركك مشوار حياتك بالأمر السهل، سنوات من الشقاء والفرح، رحلة عناء وبناء، بدأناها معاً، رجل صعيدى له طباعه الخاصة وأعرافه وتقاليده التى لا يقبل المساس بها، وبين ثقافتها كابنة لأستاذ جامعى، تسكن بالقرب من العاصمة، لا أنكر أنها تحملت العبء الأكبر فى تقارب الثقافتين، حتى تستقيم بيننا سبل الحوار والتفاهم، خاصة أن خطبتنا لم تستغرق شهراً واحداً، وعادة ما كانت تلك «الفجوة» الثفافية تظهر بشدة فى طريقة إعداد «الطعام»، فكنت مُولعاً بأطعمة الصعيد، خاصة «الملوخية» بالطشة و«الويكة» واللحمة فى «المرق»، وهى لم تسمع يوماً عن طبيخ اسمه «الويكة»، لم تستطع أن تستوعب كيف تجلس امرأة بالصعيد لأكثر من ثلاث ساعات تستغرقها فى تقطيع «البصل» من أجل إعداد طبق واحد أو طبقين، وراحت عن طيب خاطر تتعلم فنون الطبخ الصعيدية، لم تنتظر شيئاً من أسرتها سوى «تسلم إيدك»!

لم أكن أعرفها قبل الزواج، فربما رأيتها مرة واحدة أو ثلاثاً، تزوجتها لسمعتها الطيبة، كنت حينها بحاجة إلى زوجة تتحمل معى سنوات «الغربة» وتتحمل معى معاناة مخاض الكتابة، التى بدأت بإعداد رسالة الدكتوراه، كنت متخوفاً أشد الخوف من أن تكون معطلاً لى فى دراستى، لكننى وجدتها «الساعد» الذى كان ولا يزال يسبقنى إلى العمل، والقلم الذى تحركه دائماً دافعيتها وتحفيزها المستمر.

منذ أن أنجبنا طفلتنا الأولى وهى فى «إجازة» شبه مطولة، جعلتنى أشعر دون أن أفكر بأنها ليست زوجتى، وإنما «ابنتى» التى لا أستطيع الغياب عنها طويلاً، والتى لا أثق فى قدرتها على الحياة بدونى، ولا الحياة بدونها، فكانت دائماً ظلى الذى لم يفارقنى فى معظم أسفارى، كانت دائماً الجسد الذى تحمل كل متاعب «الحسد» فى كل نجاح تحقق فى حياتنا الأسرية، انفصلت عن العالم كله، لتصبح أسرتنا عالمها الخاص، الذى لا تسمح لأحد بالاقتراب منه أو المساس باستقراره، غريباً كان أو قريباً، ورغم «غيرتها» الشديدة كزوجة محبة، لكنها تمكنت من تحجيم غيرتها، لتصبح بذلك «نموذجاً» للزوجة الصالحة، التى أعطت لزوجها درساً فى الحب، وعلمته أن الحب لا يوجد فى الطرقات ولا فى الأندية ولا فى المهاتفات ولا فى رسائل الغرام، وإنما يمتثل الحب فى زوج «راضٍ»، قادر على العطاء والتفانى، ورغم حبها الذى أخذنى إليها من العالم، لكنها وضعتنى فى «سجن» أسواره ثلاث بنات وولد، وتصبح هى «السجان» الذى أعشقه!

 


مواضيع متعلقة