حنان الحروب في حوارها لـالوطن: عدت لاستكمال تعليمي بعد قضاء واجبي تجاه أبنائي

كتب: أماني عزام

حنان الحروب في حوارها لـالوطن: عدت لاستكمال تعليمي بعد قضاء واجبي تجاه أبنائي

حنان الحروب في حوارها لـالوطن: عدت لاستكمال تعليمي بعد قضاء واجبي تجاه أبنائي

رُغم نشأتها في مجتمع قاسٍ، تحت وطأة احتلال تفنن في تدمير حياة شعب أعزل، شَقَتّ "حنان الحروب" طريقها وسط ظلام الاحتلال؛ لتغرس في أطفال فلسطين قيم التسامح والعدل والرحمة؛ لتستحق عن جدارة الفوز بجائزة أفضل معلمة في العالم في مسابقة توصف بأنها "نوبل" في التدريس، وقيمتها مليون دولار، لتعطي كل الشعوب المثل في أن تواضع الأمكانات لم يكن يومًا عائقًا أمام النجاح، ولم يكن نجاح الحروب يومًا على حساب أسرتها أو بيتها.

بدأت العمل بالتدريس في إحدى مدارس مدينة البيرة الفلسطينية، بعد أن التحق أبناؤها بالدراسة الجامعية، ساعية وراء حُلم راودها منذ سنين في أن يكون لها دور مُجتمعي بارز، ولكنها تخلت عنه في سبيل رعاية أبنائها؛ لتعود مرة أخرى في رحلة بحثها عن الذات فتفوز بجائزة أفضل مُعلم في العالم، بعدما سارت على درب حُلمها وسعت بكل جهد لتحقيق ما تمنته يومًا، وإلى نص الحوار:

 

- في البداية ما المعايير التي تم اختيارك لنيل جائرة أفضل معلمة في العالم؟

مؤسسة "فاركي فاونديشن" البريطانية، صاحبة فكرة جائزة أفضل مُعلم، كانت تبحث عن معلمين لديهم قصص نجاحات، تكون مؤثرة في حياة الأطفال المستقبلية من خلال تدريسهم؛ لنشرها في جميع أنحاء العالم حتى تكون مُلهمة لغيرهم في العالم، لتعزيز العملية التعليمية، فقدمت ما توصلت إليه من إدخال اللعب في تلقي المعلومات.

 

- كيف استوحيتي فكرة التدريس بالألعاب للأطفال الصغار؟

أولادي كانوا سببًا رئيسيًا في إلهامي بفكرة التعليم باللعب، حيث كنت أتغلب على اشتباكهم سويًا في أوقات فراغهم، بالألعاب المُفيدة التي تنطوي على التعلم؛ لحل الإشكاليات الموجودة بينهم، وبهذا أكون حققت الهدوء في المنزل، واستفدت من وقت الفراغ بألعاب مُفيدة بالتوازي معًا.

وعندما نجحت في هذه المهمة مع أبنائي في المنذل انتهجتها في عملي، وهو استكمال تعليمي والعمل كمدرسة، فكنت أسعى لتصويب سلوكيات الطلاب، وتعليمهم من خلال هذه الألعاب التي تشتمل في جوهرها على مناهج علمية وتثقيفية وتربوية جادة.

 

- وما الصعوبات والتحديات اللي واجهتك خلال مسيرتك؟، وكيف تعاملتي معها؟

عدم اقتناع المُحيطين بي من زملاء معلمين، وأولياء أمور، وإدارة المدرسة بهذه المنهجية التي أتبعها في تعليم الأطفال من خلال اللعب، كانت أكبر المعوقات التي واجهتني في حياتي العملية، فحينما كان يعود الطالب إلى منزله تسأله والدته، ماذا أخذتم اليوم في المرسة فيجيبها "لعبنا"، فيعبر أولياء الأمور عن رفضهم التام لما أقوم به، ويقولون لي هذا ليس تعليمًا، ولكني لم أستسلم وظللت مستمرة في العمل بما أؤمن به، حتى أصبح طلاب الفصول التي أدرسها يردون لي حقي بتفوقهم فكان الجميع يعرف أبناء حنان من بين آلاف الطلاب، ليس فقط في تفوقهم العلمي، وإنما في سلوكياتهم في منازلهم، ووسط أسرهم، فأنا أعاملهم جميعًا كأبنائي، فيقولون عن تلاميذي "ولاد حنان تطلعيهم من بين ألف طالب"، وبهذا استطعت ترسيخ منهجيتي في التعليم.

 

- كيف كان رد فعل أسرتك والشارع الفلسطيني بعد عودتك حاملة للجائزة؟

شعرت بأمل كبير وسعادة غامرة بداية من الاستقبال الحار، الذي لاقيته في مطار الأميرة علياء في الأردن، حيث كان الاستقبال بمثابة عُرس لهذا النصر الكبير، وفرحتي تُوجت بما كنت أراه من فرحة حقيقية في عيون المحيطين، فشعرت بهوان اللحظات الصعبة التي عشتها بعد هذا الفوز الكبير الذي أحسست بقيمته من خلال اهتمام العالم كله بي، والحديث عني في وسائل الإعلام، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

 

{long_qoute_1} 

 

- لمن تُهدي جائزتك، وماذا يمثل لك التكريم؟

أهدي جائزتي للمعلم، فهي بالفعل جائزة تدعم المُعلمين، وتدعوهم لرفع مكانة التعليم وتحسين مستوياته والارتقاء بالمجتمعات، وتشجيع الأبناء على معرفة قيمة المُعلم.

وسأخصص جزءًا منها في بناء جمعية تعمل في اتجاهين، الأول سيكون لدعم طلاب الثانوية العامة المتميزين، الذين سيتخلون عن كليات القمة، مثل الطب والهندسة؛ ليتجهوا إلى مجال التعليم، فسأقف بجانبهم وأدعمهم، ليصبحوا معلمين ذا كفاءة، ويؤكدون للعالم أن التعليم مثلها مثل كليات القمة، وهي أساس العملية التعليمية.

أما الثاني فسيكون لدعم المعلمين وتبني ابتكاراتهم وإبداعاتهم، ومساعدتهم في اظهار مواهبهم، ولن يكون ذلك مقتصرًا على المعلم الفلسطيني فقط، وإنما سيمتد؛ ليشمل المعلمين العرب، فأنا دائمًا أردد جملة على لساني أقول فيها للجميع "المُعلم وحده من يستطيع تغيير المجتمعات، وتحديد نوعية وتفكير الأجيال القادمة".

 

- خلال تقديمك للمسابقة هل توقعتي الحصول على اللقب؟

حينما تقدمت للاشتراك في المسابقة كان بناءً عن ترشيح من مدرية التربية والتعليم بـ"رام الله"، وهو ما أعطاني دافعًا في أن أكون أقوى لأمثل بلادي بشكل لائق في الخارج بين 8000 مُشارك، وعندما تما اختياري ضمن أفضل 50 مُشاركًا تضاعفت قوتي، وأحسست بأني لدي ما يُميزني عن الآخرين، وعلى أن أجتهد أكثر حتى أصبح في الصفوف الأولى إلى أن تم اختياري ضمن أفضل 10 مُشاركين، فأحسست بأمل كبير ولكنني كنت مؤمنة بأنني في مسابقة والفائز في النهاية واحد فقط، إلى أن وفقني الله بالحصول على اللقب.

- من ساعدك وشجعك خلال مسيرتك؟

الفضل لله دائمًا وأبدًا، فنحن يُحركنا انتماؤنا للوطن، ثم طموحاتنا وأحلامنا التي نسعى لتحقيقها، ولكن كل هذا يحتاج إلى دعم ومُساندة من المُحيطين، وهذا ما تولاه زوجي وأبنائي، الذين وقفوا دائمًا إلى جواري، وساندوني، وخاصة زوجي الذي آمن بي وقدّر إمكانياتي، وكان يدعونني دائمًا لأكون متميزة ومختلفة عن الآخرين، ومؤثرة في مجالي.

فالفضل كله يرجع لله ثم زوجي، الذي منحني الفرصة لاستكمال تعليمي، والنزول إلى مجال العمل، ودعوات والدتي، رحمها الله، ورضائها عليّ، ودعوات والدي، أطال الله في عمره، فهو دائمًا يدعو لي بالتوفيق.

 

{long_qoute_2}

 

- إذا تلقيت عروضًا للتدريس خارج فلسسطين فهل ستقبلين؟

أنا لا أستطيع تحديد هذا القرار بمفردي، حيث يشترك فيه عدة أطراف، فالعمل في الفترة المقبلة تتحكم في مؤسسة "فاركي فاونديشن" البريطانية، صاحبة فكرة جائزة أفضل مُعلم، حيث إنني سأحصل على الجائز على مدار 10 سنوات، في كل عام 100 ألف دولار، وستقوم المؤسسة خلال هذه الفترة بعمل حراك ولفت أنظار في مُختلف بُلدان العالم، لإلقاء الضوء على هذه المنهجية الجديدة.

كما أن أسرتي صاحبة القرار في هذا الشأن، ولا أمتلك اتخاذ أي موقف دون الرجوع إليهم، ولكن تبقى فلسطين وطني "أنا عاملة زي السمكة لو طلعت من البحر تموت وفلسطين بحري"، ولكن يجب عمل مقابلات للتعريف بهذه المنهجية بجميع دول العالم.

 

{long_qoute_3}

 

- كم عدد أفراد أسرتك؟ ومدى دعمهم لكِ، وهل كان التدريس حلم لك؟

زوجي يُدعى عُمر ويعمل مُحاميا، ولديّ توأم أسمهما أسماء ودعاء، أنهت كلتاهما تعليمها بكلية الحقوق، وحاليًا تتدربان في مكتب للمُحاماة، كما لدي ابني محمد يدرس محاسبة، والدي يعمل شيف، وليلى بالصف الأول في كلية الهندسة، وجميعهم وقفوا إلى جواري وساندوني، وكانوا سببًا فيما وصلت إليه الآن.

لم التحق بالوظيفة بسبب الراتب، ولكني كنت أسعى جاهدة في أن يكون لي دور في المجتمع الفلسطيني، وخاصة أنني التحقت بالجامعة، ومجال العمل في مرحلة متأخرة، فقد تزوجت قبل أن أكمل تعليمي واكتفيت وقتها بالثانوية العامة، وتفرغت لتربية أبنائي، حتى وصلوا جميعًا إلى المرحلة الجامعية في تعليمهم، ثم التحقت بعدها بالجامعة، وأنهيت سنواتي الدراسية بنجاح، واستغرقت وقتًا طويلًا في البحث عن عمل مُناسب، استمرارًا في رحلة البحث عن ذاتي، لكي أصبح عضوًا فاعلًا في المجتمع، ويكون لي بصمة وأثر في المُحيطين بي. 

 

- مارأيك في الممارسات المنتشرة بمعظم المجتمعات الشرقية، والتي تقوم على التمييز بين الرجل والمرأة؟، وبماذا تنصحين هؤلاء السيدات؟

يجب على كل سيدة أن تنظر داخلها، وتكتشف جوانب القوة الموجودة بها، وأن تسعى لتحقيق أهدافها مهما بلغت المعوقات، وأن تعرف جيدًا أنها قادرة على تحقيق أحلامها وتحويلها إلى واقع، مهما بلغت التحديات التي تواجهها؛ لتبرهن للعالم أن المرأة الشرقية تستطيع تكسير القيود، وإزالة الحواجز، كما ينبغي عليها ألا تنتظر من يؤمن بها، وتفرض نفسها بقوتها وإرادتها، وبجانب كل هذا يجب عليها أن تراعي بيتها ولا تقصر في حق أسرتها، فلقد راعيت أبنائي حتى وصلوا إلى التعليم الجامعي ووقفت بجوارهم حتى وضع كل منهم نفسه على الطريق السليم.

 

- ما أبرز الأزمات التي تواجه المعلمين الفلسطينيين؟

الوضع المأسوي في فلسطين لا يخفى على أحد، في ظل الاحتلال الذي نعيشه، وهذا بالطبع يمتد ليشمل المُعلم، فهو جزء لا يتجزأ من الشعب الذي يُعاني ظروفًا اقتصادية صعبة، بجانب صعوبة الوصول إلى المدارس وأداء عملهم في ظروف الاحتلال القاسية، كما أن المعلم الفلسطيني يُعاني من سلوكيات العنف والحركة المُفرطة لدى التلاميذ، تأثرًا بما يشاهدونه ويعيشونه وسط الاحتلال، وهذا ما دفعني للتفكير في تعليمهم باللعب للحد من العنف المُفرط لهم. 

- بماذا تنصحي المعلمين في جميع أنحاء العالم؟

أبحث عن القوة الموجودة بداخلك، فلكل معلم هدف يبدأ بفكرة، فمؤسسة "فاركي فاونديشن" البريطانية، بدأت الجائزة بفكرة، ورغم مرور عامين فقط على إنشائها إلا أنها أصبحت عالمية، وأنا بدأت تعليم الأطفال بفكرة استخدام ألعاب فنجحت وحصلت على الجائزة، عليهم البدء بجدية في استثمار أفكارهم والسعي إلى تحقيقها، ومن المعروف أن جميع الأفكار تحتاج إلى دعم لتطويرها، وبالتالي فهم سيواجهون تحديات كبيرة، عليهم أن يرفضوا الاستسلام، ويسعون لإيجاد بدائل لمواجهة الصعوبات التي تقابلهم.

 

- ما الرسالة التي تحبي توجيهها للعالم؟

كل إنسان يعاني من صعوبات عدة في حياته، علينا أن نتغلب عليها بالتحدي، لنُظهر قوتنا وأهدافنا، ولا ننتظر دعم الآخرين، أو المُقابل المادي، مع العلم أن المادة شيء أساسي لحياتنا ولا يُمكننا الاستغناء عنها، ولكننا علينا أن نعي أن كل فرد منا يقوم بدور مجتمعي مهم في بناء بلاده، عليه أن يقوم به بجدية، ليجني ثمار نجاحاته.


مواضيع متعلقة