يوم في حياة أستاذة جامعية بإرادة حديدية حطمت قيود الإعاقة
لم تكن الإعاقة نهاية العالم بالنسبة لها فلقد ولدت في 1979 طبيعية مثل كل الأطفال، إلى أن أصابها ما أصاب عدد كبير من أبناء جيلها، مع انتشار التطعيمات الخاطئة في فترة الثمانينات؛ ما جعل العديد من الأطفال يصابون بالشلل، بعضهم استسلم لمصيره والآخر رفض الوقوف على نعته "معاق"، كانت من بيهم الدكتورة إيمان فوزي المدرس بقسم المكتبات والمعلومات بكلية آداب جامعة حلوان، شاء نصيبها أن تصاب بشلل كلي بالجسد، ولكن مع جهد الأسرة تمركز المرض بالقدم فقط.
تسير على استحياء ممزوج بفخر، ومن النظرة الأولى تجدها مفعمة بالأمل، يتوجه إليها زملاؤها وأقاربها عندما توقفهم عقبات الحياة، وكأنها المنبع الذي يجددون منه حياتهم، وسعيهم نحو الأفضل، يخجلك تواضعها، وتسعدك ابتسامتها وكأن العالم قد خلا من المحن.
تسيقظ في السادسة لتتلاقى مع نفحات هواء الصباح، لتبدأ يوم جديد من السعي وراء أهدافها، فمازال أمامها الكثير لتحققه، فطموحها لا يقتصر على كونها أستاذة جامعية، بل تأمل أن تأسس مشروعا توصل من خلاله الخلق الحميد والمعلومات، حصلت على جائزة الاتحاد العربي في المكتبات والمعلومات لأحسن رسالة علمية في 2011، وكانت عن "المستودعات الرقمية المفتوحة، كمصدر من مصادر الاقتناء للمكتبات البحثية".
الدقائق الأولى من كل يوم مخصصة للقاء المولى عز وجل، ثم تنتظر بعدها التاكسي الذي ينقلها من منزلها بحلوان إلى مقر الجامعة، حيث طلابها لتبدأ محاضراتها بمعاونة زميلاتها في القسم.
داخل المدرج تجدها تدير المحاضرة بأسلوبها الخاص، التي كانت تحلم به منذ كانت طفلة، فترى إيمان أن علاقة الأستاذ بالطلاب غير مقتصرة على الناحية الدراسية فحسب، بل يجب أن تكون مبنية على الود بين الطالب والأستاذ، وروح الصداقة، تراها تتحدث مع الطلاب على إنهم إخوتها الصغار، تشرح مادتها بطريقة سلسة وتعيد لمن لم تصل إليهم المعلومة دون تكلف.
تنتظر التاكسي ليقلها في رحلة العودة من الجامعة إلى البيت، وخلال فترة الانتظار تجدها تتكلم مع إحدى زميلاتها أو طلابها في مشكلة ما، وفور عودتها تكمل يومها بين أوراق طلابها، والتحضير لليوم التالي.
وعن اللحظات الفارقة في تحديد مسار حياتها، تقول الاختيار ما بين المجال الأدبي أو العلمي، كان محطة مهمة في حياتها، وكان اختيارها للمجال الأدبي لتحقق هدفها في أن تصبح معلمة، مع رفضها الحصول على الخمسة بالمائة التي أقرتها وزارة التربية والتعليم، مبررة ذلك بـ"أنا أملك عقلا وفكرا ولا ينقصني شيئا على الصعيد الفكري حتى أتعلل بإعاقتي".
وتضيف، تعرضت لضربة قاضية، عندما رفضتني كلية التربية - التي طالما حلمت الالتحاق بها - لإعاقتي الجسدية، وعرض عليها المقربون دخول قسم علم النفس إلا أنها بحثت عن أسهل قسم بالكلية ليخبروها بأنه قسم مكتبات.
لم تكن لديها القوة الكافية لرفض آخر من قبل رئيس قسم المكتبات، فانتظرت الوالد أسفل المبنى حتى أنهى مقابلته مع رئيس القسم نيابة عنها، لينزل الوالد ويخبرها أن رئيس القسم ليس لديه أي مانع، ولكن يرغب في مقابلتها، وبالفعل قابلها دكتور زين عبد الهادي ببشاشة لم تكن تنتظرها، ليجعلها تخرج قليلا من حالة الحزن التي كانت تنتابها، ولكنها ظلت بلا هدف فكانت الدراسة شئ روتيني.
إلى أن لفتت انتباه الجميع، بما فيهم نفسها، بعد حصولها على المركز الأول على الدفعة في الترم الأول، ثم في الترم الثاني من العام الأول، واستمرت في العام الثاني، فكان ذلك بمثابة شعلة مضيئة لها أكسبتها ثقة أساتذة القسم، فأصبحت الأولى طوال أربع سنوات.. ودافعا لما وصلت إليه الآن.