الآن لا شىء فى يدها، ليس هناك ما تملكه فيملكها، أو تخسره فتندم عليه، بمفردها تقف المستشارة تهانى الجبالى فى مواجهة نظام كامل؛ رئيس جمهورية، ورئيس حكومة، ووزراء، وتنفيذيين، ومتحدثين إعلاميين، ومجلس شورى، وأحزاب دينية، وجماعة كانت محظورة، وميليشيات منظمة، ولجان إلكترونية، ومواد دستورية، وفضائيات وصحف وبيانات ومنشورات، ورغم ذلك تبدو فى مكانها ثابتة، لا إشارة منها للتراجع ولو لخطوة واحدة، ثمة شعور خفى يتسلل إليها فى غمرة الهجوم عليها يخبرها بأنها أقوى من كل هؤلاء، وبأنها ستبقى للأبد، وأن معركتها التى تخوضها سوف تفصل بين مرحلتين هامتين من تاريخ مصر، وأن نتيجة المعركة سوف ترسم الطريق لمن يجئن بعدها، إما أن يرفعن رؤوسهن فى السماء، أو يخفضنها فلا ترتفع بعد ذلك أبداً.
رمزٌ هى لسيدات مصر، هكذا تعاملت معها الصحف المحلية والعالمية قبل أكثر من ثمانى سنوات، عندما حملت لقب «أول قاضية فى تاريخ مصر»، عقب صدور قرار جمهورى اختصها دون غيرها بالتعيين ضمن هيئة المستشارين بالمحكمة الدستورية العليا فى عام 2003، ثم دار الزمن دورته لتترك نفس المنصب هذه المرة بمادة فى الدستور قيل إنها وُضعت خصيصاً من أجلها، لتصبح بذلك «أول سيدة تترك منصبها بنص دستورى»، فتجمع بين اللقبين فى مناسبتين مختلفتين.
هكذا يدور الصراع بين النظام وبين السيدة التى تعامل العالم معها باعتبارها رمزاً لسيدات مصر، هى الآن منبوذة مضطهدة دون منصب يحميها من المدفعية الثقيلة التى تشن ضدها حرباً لا هوادة فيها، هكذا يواجه النساء فى مصر مصيرهن بعد إقرار الدستور، يتحسسن شعورهن المسدلة على أكتافهن، ويتطلعن بعيون دامعة إلى مستقبل مجهول، ودون أن تطرف لهن عين يخرجن مقصاتهن ويقصصن شعورهن احتجاجاً على دستور أغفل الكثير من حقوقهن، قبل أن يصل لوعيهن أنه أطاح بواحدة منهن كانت تشغل منصباً رفيعاً، فإذا بها فجأة فى الهواء الطلق، بلا منصب، ولا سلطة، ولا حتى حائط صد يحميها من كل الهجوم الذى ينهال عليها صباح مساء، من كل الاتجاهات، ورغم ذلك تظل محتفظة بثباتها، مؤمنة بأنها هى الأقوى.
الأقوى لأنها سيدة تقف بمفردها فى مواجهة الجميع، ولأنها لن تترك حقها كما أعلنت بعد إقصائها عن منصبها كمستشارة فى المحكمة الدستورية العليا، ولأن من يواجهونها يرتكبون أخطاء قاتلة فى حق أنفسهم، لو يدركون، ولأن كل هجوم يوجه ضدها يرفع من قدرها درجات، ويخفض من شأن مهاجميها دركات، ولأن التاريخ الذى حتماً سيضعها فى مكان بارز بسجلاته باعتبارها «أول قاضية فى تاريخ مصر»، سوف «يشطب» من سجلاته أولئك الذين يهاجمونها، إذ لا مكان هناك لأمثال هؤلاء، أو كما قال نجيب محفوظ «كل الناس تعرف سقراط، ولكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه».