عم مدبولي وأطفاله على نصبة شاي.. وبالوالدين إحسانا

كتب: فاطمة مرزوق

عم مدبولي وأطفاله على نصبة شاي.. وبالوالدين إحسانا

عم مدبولي وأطفاله على نصبة شاي.. وبالوالدين إحسانا

يجلس على كرسيه الخشبي يدير ظهره إلى سور جامعة عين شمس، تبدو علامات الأسى على وجهه، ينظر إلى طفليه في حسرة وعينيه تلمع بغشاء رقيق من الدموع، يكتظ الرصيف بالطلبة الذاهبون والعائدون رغم ذلك لا يدير وجهه بعيدا عنهم برهة، يراقب عملهم في صمت فيقفز قلبه من بين ضلوعه باكيا على حالهم بعد أن فرضت عليه الظروف حرمانهم من الذهاب للمدرسة والانتقال معه إلى الرصيف ليكونوا عونا له ويسدون احتياجاتهم اليومية.

ولم يجد "مدبولي علي مدبولي" مفرا من اصطحاب طفليه معه إلى العمل بعد أن انفصل عن والدتهم لسوء أحواله المادية: "أنا مليش سكن وقاعد عند أختي في مخزن فيه كراكيب وثوم وبصل وبنام على الأرض، أنا بصرف على عيالي وهما بيساعدوني في الشغل علشان صحتي تعبانة، طول اليوم معايا وكل مصاريفهم عليا ولما بيخلصوا بيباتوا عند أمهم عشان المكان اللي أنا عايش فيه صعب وكمان أختي مش مستحملة وجودي معاها وممكن تمشيني في أي وقت".

يلتف الطفلين حول والدهم ما دامت "نصبة الشاي" خالية من الزبائن، يمازحونه بين الحين والآخر يتحايلون عليه لينعموا برؤية ابتسامته التي نادرا ما تُرسم على ملامحه، اعتاد "أحمد" ذو الـ7 أعوام على استقبال طلبات الزبائن والتردد عليهم لجمع الأكواب عقب انتهائهم من شرب ما بداخلها، بينما يقوم "محمد" بإعداد الشاي والقهوة كما تعّلم من والده، يقول: "أبويا علمني أعمل الشاي والقهوة زي ما الزبون يطلب بالظبط والحمد لله الزباين كلها بتشكر فيا وبتحب تشرب من إيدي، أبويا خرجني من 6 ابتدائي بس مش زعلان منه لأن الظروف وحشة ومفيش فلوس وأنا أهم حاجة عندي أني أساعده وصحته تبقى كويسة".

يتقاضي الرجل السبعيني 320 جنيه معاشا من الشؤون الاجتماعية، يتبخرون في تكاليف علاجه التي تتجدد باستمرار: "عندي قرحة الأثني عشر وأملاح على الكلى وتضخم في الكبد، وخشونة في الرجل وحصوة في الكلي اليمني وعايش على المسكنات، وباخد علاج لتوسيع الشعبة الهوائية، كل ده محتاج مصاريف كتيرة وبضطر أجيب العلاج المهم بس والمسكنات"، رغبة عارمة دفعت عم "مدبولي" إلى إلحاق ابنه "احمد" بالمدرسة فتردد في بداية العام الماضي لتقديم أوراقه لكنه سرعان ما عاد خائب الرجا: "قالولي هتدفع 500 جنيه ودوسيه بـ50 جنيه، اتصدمت وزعلت لأن مكنش معايا فلوس، زعلت وحسيت بالعجز لأن نفسي أخليهم أحسن ناس ومش قادر".

يتردد عم "مدبولي" على الرصيف في الـ9 صباحا وينتهي يومه مع غروب الشمس، يعطي طفليه مصروفهم ويطمئن على وصولهم إلى المنزل، ثم يعادو أدراجه إلى مخزن أخته ذو الرائحة الكريهة ويغرق في ثبات عميق عقب يوم شاق من العمل: "اتجوزت مرة قبل كده وخلقت 3 بنات وحصل طلاق بسبب المصاريف، بعد 20 سنة مقدرتش استحمل أعيش لوحدي، اتجوزت وخلفت محمد وأحمد وسميرة عندها 5 سنين، نفسي ربنا يكرمني ويكملوا تعليم لأني مش هعيش ليهم طول العمر".


مواضيع متعلقة