لا مستشفى ولا وسيلة مواصلات.. «القراطيين» جزيرة البائسين على ضفاف النيل

كتب: فاطمة مرزوق

لا مستشفى ولا وسيلة مواصلات.. «القراطيين» جزيرة البائسين على ضفاف النيل

لا مستشفى ولا وسيلة مواصلات.. «القراطيين» جزيرة البائسين على ضفاف النيل

مناظر طبيعية خلابة تخطف الأنظار، تبدأ بأراضٍ زراعية اتسعت رقعتها، أزهار وأشجار ومحاصيل زراعية مختلفة تكسو المكان الذى يبدأ بمنخفض أرضى يسمى الجسر، أسلاك شائكة وترع صغيرة يصطدم بها من يخترق تلك الأراضى، على بعد خطوات يظهر نهر النيل بجماله الساحر وبه قارب صغير يحتوى على مجاديف خشبية يقوده مراكبى، يضم القارب 3 أفراد وحمارين، يظن الغريب أنهم فى الطريق لرحلة وسط النيل، لكن الواقع أثبت العكس، بعبور البر الآخر من النيل تظهر بيوت تنم عن حياة راسخة منذ زمن بعيد فى هذا المكان المعزول، «جزيرة القراطيين» الواقعة بمحافظة الجيزة التابعة لمركز أوسيم، ظل سكانها يحاربون سنوات عديدة على أمل الحصول على طريق يمشون فيه، ولكن بقيت شكواهم واستغاثاتهم أوراقاً لا قيمة لها.

{long_qoute_1}

عم «سيد الخولى»، أحد أقدم سكان الجزيرة، يعتمد رزقه على قاربه الصغير الذى يحمل فيه سكان الجزيرة، يبدأ يومه منذ السادسة صباحاً وينتهى مع غروب الشمس: «النفر بنص جنيه وباشتغل أنا يوم والمراكبى التانى يوم عشان كلنا ناكل عيش، لو حد عنده ظروف أو راجع متأخر باضطر أطلع وأجيبه من على البر لأن المكان بيكون مقطوع بالليل وكله بلطجية، ولو حد مريض أو واحدة هتولد بصحى من النوم مخصوص»، يؤكد الرجل الثمانينى أن سكان الجزيرة سئموا من طلب الحصول على حقوقهم حتى فقدوا الأمل، يقول: «دلوقتى مفيش حد يدينا حقنا الدنيا بقت فوضى، واللى ليه معرفة ومعاه فلوس بيمنع الناس أنها تروى أرضها، البلد كلها تعبانة، ظروفها على قدها وبتجرى على لقمة العيش».

ويضيف: «أنا باحاول أحافظ على الناس وأنا ماشى بالمركب، مش عارفين نجيب مركب سريعة، المركب دى من العصر الحجرى، الناس بتطوّر وإحنا مش بنتحرك من مكاننا، فى مركب بموتور بس للرمل والزلط عشان البيوت الجديدة اللى بتتبنى»، تفتقر الجزيرة لكل ما يهيئ لقاطنيها حياة آدمية، حيث يلجأ سكانها إلى إلقاء مخلفاتهم بالنهر لعدم وجود صرف صحى أو أماكن مخصصة لإلقاء القمامة، يقول محسن عبدالفضيل أحد سكان الجزيرة: «بنرمى الحيوانات والزبالة فى البحر يعنى هنعمل إيه؟! إحنا مالقيناش مكان نرمى فيه، لو فيه وحدة محلية وحكومة وطريق، البحر ماكانش هيبقى ده منظره، إحنا بنلوث البحر وبنشرب وعادى».

تضاعفت معاناة نساء هذه الجزيرة، حيث يتكبدن مشقة عسيرة فى الذهاب بأبنائهن للمدارس، وشراء احتياجات المنزل مما يتسبب فى إهدار كبير لوقتهن. نورا رجب، إحدى نساء الجزيرة: «أنا عندى 22 سنة، اتولدت واتجوزت هنا، وعمرنا ما شفنا مسئول قال هحل مشاكلكم، إحنا عاوزين طريق نمشى فيه، باروح السوق مرة فى الأسبوع وباتبهدل بسبب الطريق وأنا شايلة الحاجة، لو السكة دى مش مفتوحة الناس هتموت مكانها، إحنا بنتعذب والله، وصحاب الأراضى بيحطوا سلك علشان مانعديش وسط أراضيهم وبيقفلوا الطريق».

{long_qoute_2}

بينما تجد «سماح معوض» مشقة فى اصطحاب أبنائها للمدرسة، وتصف حياة أهل الجزيرة بـ«حياة أهل الكهف»، نظراً لإهمال المسئولين فى حقهم والتجاهل الشديد لمطالبهم: «العيال بيطلع عينهم أيام الدراسة وفى عيال كتيرة سابوا المدرسة بسبب الطريق، إحنا فى إهمال من ناحيتين الطريق والتعليم»، تبدأ «سماح» يومها فى الـ6 صباحاً تتوجه برفقة أطفالها إلى مدرسة المناشى التى تبعد عنهم بمسافة كيلو وربع ثم تذهب إلى السوق، وتعود مرة أخرى لتعود بأطفالها من المدرسة: «مصاريف المواصلات كتيرة، ولولا غلو الإيجار برة كنت مشيت بس المثل بيقول بيت ملك ولا عمارة شرك، وعشان العيشة صعبة هنا والمنظر مايشجعش، قلت الحمد لله رضا مش هجيب عيال تانى خالص».

استغلال كبير يتعرض له سكان الجزيرة من قبل سائقى التوك توك، حيث يرفعون الأجرة عليهم لحاجتهم الشديدة لوسيلة مواصلات تقودهم إلى الطريق المؤدى لجزيرتهم المنعزلة، تقول «حميدة شعبان» إحدى أقدم نساء الجزيرة: «أنا بقالى 100 سنة هنا، جوزى مات وعيالى اتجوزوا وماعرفش حاجة عنهم خالص، كل واحد شاطح فى بلد تانية، كراتين البسكويت والشيبسى دول اللى باكل منهم عيش، ولما بخرج بره أجيب حبة كراتين التوك توك ياخد منى 20 جنيه، ده غير ذل المراكبية لينا».

فى أحد شوارع الجزيرة تجلس «مديحة عبدالفتاح» فى انتظار ابنها الذى لم تره منذ عدة أسابيع لصعوبة الطريق، تتحدث والدموع تغمر عينيها: «أنا هنا فى الجزيرة من 29 سنة، عندى 3 عيال واحد منهم شغال فى العاشر من رمضان 3 ورديات بيخلص الساعة 1 بالليل بيكونوا المراكبية ناموا ومش بلاقى حد منهم، بيبات على البر لتانى يوم»، وتضيف المرأة الخمسينية: «بتوع المراكب مش بيعدوا حد بالليل غير للضرورة، ابنى التانى بقاله 4 أسابيع بايت فى الشغل مش بشوفه خالص بسبب أزمة الطريق، وابنى التالت فى ثانوى تجارى ومدرسته فى مناشى العزبة ودى بعيدة عننا جداً».

بينما أبدت «أم يوسف» غضبها من تدنى الخدمات بالجزيرة قائلة: «عاوزين حضانة، العيال مستقبلها هيضيع، أقرب حضانة فى المناشى ودى لازم نركب ليها عربية، العيال هنا كلها بتشتم ومش وراها غير الشارع، لأن مفيش حضانة ولا حفظ قرآن ولا تعليم ولا أى حاجة، لا ميه حلوة ولا سكة ولا مستشفى، مش بنكشف للعيال ولو كشفنا هنلاقى أمراض الدنيا عندهم، إحنا عاوزين طريق نمشى فيه وأمان لينا ولعيالنا، بقالنا سنين بنحارب علشان يكون لينا طريق ومحدش عبرنا، ارحمونا والله العظيم إحنا كرهنا حياتنا».

بدت الحياة أكثر مأساوية لدى طلاب الجزيرة الذين يجدون مشقة فى الذهاب لمدارسهم مما يهدر الكثير من وقتهم ويمنعهم من المذاكرة باستمرار، هذا ما أكده «أحمد» طالب الثانوية العامة: «أنا فى علمى علوم، كل دروسى بره باخد فى الطريق أكتر من ساعة، والمدرسة بعيدة مش بالحق أذاكر، الطريق يسبب ليا أزمة كبيرة وبيضيع وقت كبير وفى دروس بالليل والمركب بتبقى شغالة باقعد 3 ساعات على البر لحد ما المركب تحمل لأن صاحب المركب مش هيعدينى أنا على نص جنيه بس».

تجمع نسائى كبير غمر الجزيرة، تقف كل منهن لتسرد معاناتها، فصاح من بينهن صوت طفولى وكأنه يستغيث: «أنا اسمى نعمة فى 6 ابتدائى وقعت فى البحر كذا مرة لأن المركب بتكون زحمة وإحنا رايحين المدرسة وطلعونى من شعرى ومش مصدقة إنى لسه عايشة، كل يوم بنخرّم من الغيطان عشان نعدى البر التانى، واحنا محتاجين سكة ومحتاجين أى حاجة تيجى على بالكم يا مسئولين، ولا سكة نمشى فيها ولا مستشفى ولا صيدلية، إحنا مدفونين بالحيا».

وتؤكد الحاجة «صابرين جلال» أن ابنها ترك المنزل بسبب سوء أحوال الجزيرة وعدم وجود طريق مناسب لها: «بقالى 5 سنين وباتندم إنى جيت هنا وابنى ساب البيت وساكن بره بالإيجار وابنى التانى فى كلية حقوق مستقبله كان هيضيع، وقبل كده ثبتوه عند البحر وخدوا منه الموبايل وقلعوه هدومه، الطريق بالليل بيكون كله بلطجية وحرامية».

حوادث غرق كثيرة شهدتها جزيرة «القراطيين» التى تضم 4 آلاف نسمة، وفقاً لما قاله «محمد ربيع» أحد سكان الجزيرة: «فى منطقة بالبحر قدام ورشة الطوب عميقة جداً، دى لازم يغرق فيها حد كل كام شهر»، محاولات كثيرة قام بها سكان الجزيرة باءت بالفشل كان آخرها عام 2013 «حصل اجتماع بيننا وبين على عبدالرحمن محافظ الجيزة السابق، خدنا ملاك الأرض ورحنا للمحافظ خصص 70 ألف جنيه للطريق، ده كان فى 27/10/2013، لكن فين الحكومة اللى تنفذ مفيش، فين المسئولين؟! كله كلام على ورق».

ويضيف: «إحنا ذنبنا إيه لما المحافظين والقيادات بتتغير إحنا عاوزين طريق وعاوزين نعيش، الناس دى مش طالبة أنها تطلع القمر، دول طالبين طريق وده أبسط حقوق الإنسان، إحنا بنطالب نتساوى بالحيوانات بره، الحيوانات بره ليها طرق لوحدها، أقرب مستشفى لينا مستشفى أوسيم بعد 4 كيلو، ومستشفى القناطر على بعد 5 كيلو ده غير ملاك الأراضى شربونا الذل والمرار، اللى يقطع الطريق بالعند واللى يقفله واللى يفتح ترعة كلها ميه ومانعرفش نعدى، وكل واحد ليه أرضه وعاوز يحافظ عليها».

 جزيرة القراطيين

عامل المعدية التى تقل أهالى الجزيرة

يبلغ عدد سكان الجزيرة 4 آلاف نسمة.

المراكب هى وسيلة المواصلات الخاصة بسكان جزيرة القرطيين وتبلغ قيمة الأجرة 50 قرشاً.

تتفشى الأمية بين الكثير من أبناء الجزيرة بسبب بُعد المسافة بينهم وبين المدارس.

معظم سكان الجزيرة يعملون بحرفة الزراعة وبعضهم يصطاد الأسماك.

تخلو الجزيرة من المستشفيات والمدارس ويجد أهلها مشقة فى ممارسة حياتهم.

تخلو الجزيرة من محطة صرف صحى مما يدفع سكانها إلى الإلقاء بمخلفاتهم فى النهر.

يتعرض سكان الجزيرة إلى مضايقات ومشاجرات من قبل أصحاب الأراضى الزراعية ويغلقون أمامهم الطريق بالأسلاك الشائكة حتى لا يعبثوا بأراضيهم ويمرون من بينها.


مواضيع متعلقة