«هيكل» و«فاروق».. «مدّاح الملك»

كتب: أمينة إسماعيل

«هيكل» و«فاروق».. «مدّاح الملك»

«هيكل» و«فاروق».. «مدّاح الملك»

علاقة دائمًا ما شابها التصنّع والإشادة المزيفة، هدفها كان الوصول من شاب صحفي لديه طموح كبير، إلى ملك البلاد، كُتب عنها الكثير من المقالات والكتب التي تؤكد على أن الصحفي محمد حسنين هيكل هو «مدّاح الفاروق»، بدأها بمقالات بمجلة «روز اليوسف» بعنوان «إنه الفاروق» وتبعها بـ«في يوم ميلادك».

كان «هيكل» بدأ عمله في الصحافة في العام 1942، محررًا عسكريًا بجريدة «الإيجبشيان جازيت»، حيث كانت الحرب العالمية الثانية عندما كان فاروق ملكًا على مصر وخلال تلك الفترة كانت كل كتابات «هيكل» عن الملك تصب في خانة «التفخيم» و«الإشادة» بإنجازاته ونسبة كل نجاح له. وفي العام 1947 كان وباء الكوليرا قد غزا قرية القرين، وكان هناك حظر دخول على هذه القرية، لكنّ الصحفيّ الشاب دخل القرية وقدم تقريره عن الكوليرا، وحصل بسبب هذا التقرير على جائزة الملك فاروق للصحافة، والتي كانت تعد الجائزة الأولى في الصحافة المصرية حينها.

وفي عدد 818 من مجلة «روز اليوسف»، يوم الخميس 17 فبراير 1944، كُتِب موضوع بعنوان «إنّه الفاروق»، بقلم الصحفي الشاب -آن ذلك «وأثناء انتشار مرض الكوليرا الملك في الصعيد يزور مناطق المرض بنفسه ليشرف على ما يجري وليواسي شعبه، هذا هو النبأ العظيم الذي لم يدهش له أحد ولم يعجب له أحد ولكن الناس جميعًا أضاءت عيونهم بنور الأمل والثقة وتقابلت أنظارهم فتبسموا ابتسامة حب وحنان إنّه الفاروق، إنه الفاروق دائمًا».

ثم عاد الأستاذ، مرة أخرى وكتب مقالًا في مجلة روزاليوسف، في العدد رقم 830 الصادر في القاهرة يوم الخميس 11 من مايو 1944، وبمناسبة العيد الثامن لجلوس الملك فاروق على العرش، وتحت عنوان «في يوم عيدك يا مولاي» يخاطب الملك فاروق قائلاً:

في يوم عيدك يا مولاي، هذه هي الذكرى الثامنة لجلوسك يا مولاي على عرش مصر.. ثمان سنوات وأنت تحمل مسؤولية هذا الوطن وهذا الشعب، كنت فيها نعم الملك الدستوري في ظروف لعلها أدق ما مر بها في تاريخ حياتها، أوليس الفاروق هو الذي قال ذات مرة: إنني أحب قيادة السفينة أثناء العاصفة.

ثمان سنوات وأنت تعمل لهذا الشعب وتخلص له وهو يعمل معك ويخلص لك وستظلان معًا إلى الأبد، وهذه مصر كلها تحتفل بعيد ملكك، مصر من أقصاها إلى أقصاها، أفرادًا وجماعات، أحزابًا وهيئات، ولم تجد مصر ما تحيي به هذا العيد سوى الهتاف باسمك والدعاء لك.

في نادي سعد زغلول طلب الحاضرون إلى ماهر باشا أن يقول لهم شيئا، فقال: إن أحسن ما أقوله ليعبر عن كل ما نحس به هو أن أهتف من القلب: يعيش جلالة الملك وردد الجميع هتافه.

وفي احتفال الأحرار قام الأعضاء وراء هيكل باشا يهتفون باسمك ويدعون الله أن يسدد خطاك. وفي احتفال الكتلة كان الهتاف لجلالتك يشق عنان السماء بين كل دقيقة وأخرى. لقد علمت مصر كيف تحبك من يوم أن تفتحت عيناك على نور الدنيا، فلم تكن وأنت أمير طفل تترك فرصة لتُظهر فيها عطفك على بنيها واعتزازك بها إلا أظهرتها، وكنت دائمًا في كل مكان تشعر بأنك المصري الديمقراطي الأول ، فكنت في كل مكان خير رمز لمصر وأحسن عنوان لها.

ولقد أخذ التفكير في مصر كل وقتك، وأخذت تعمل، في عيد ميلادك تركت قصرك وعاصمة ملكك وذهبت إلى الصعيد لتزور جزءًا من شعبك حلت به نكبة المرض، وقلت: إن أحسن احتفال بالعيد هو أن ترى هؤلاء البؤساء ويروك.

ومنذ أشهر قابلت الكولونيل بون رئيس جمعية الصليب الأحمر فكانت آخر كلماتك له : لا تدع أحدًا يسيء إلى مصر. وهكذا أخذت عليك مصر كل تفكيرك، لأنك تحبها، ومصر يا مولاي تحبك. ولقد قال لي ذات مرة أحد كبار الأجانب وهو المستر إيرل رئيس تحرير «الإجبشيان جازيت» ـ وكان في صحبة جلالتك إلى بورسعيد ـ قال إنه دهش لما رأى عشرات الألوف من الفلاحين ينتظرون الساعات الطويلة تحت وهج الشمس ينتظرون مرور الملك في قطاره وربما لم يروه وحتى لو أتيحت لهم هذه الفرصة فلن يدوم ذلك لأكثر من جزء من الثانية، ثم قال إنه يتساءل عن قوة العاطفة التي تدفعهم إلى ذلك، وقلت له: إنه الحب. ـ وقال: ياله من حب قوي.

ولم يكن المستر إيرل هو أول أجنبي دهش لروعة مظاهر الحب بينك وبين شعبك ، وإنما كثيرون شاركوه هذه الدهشة، ولم يترك أحدهم فرصة للإعراب عن ذلك إلا أبداها. وقد قال لي المسيو ليجول رئيس تحرير البورص : إن مصر محقة أن تحب مليكها كل هذا الحب فهو جنتلمان حقيقي.

وقال مراسل مجلة «لايف» إنه شاهد ملوكا ورؤساء كثيرين تستقبلهم شعوبهم ، فلم ير أروع ولا أعظم من استقبال شعب مصر لمليكها، وأذكر أنني سألت السناتور «ميد»ـ أحد الشيوخ الأمريكان الذين زاروا مصر منذ عدة أشهر، وكان قد تشرف بقابلة جلالتكم ظهر اليوم نفسه ـ عن رأيه فيكم. فقال: صدقني يا بني لقد رأيت ملوكا كثيرين قبل ملككم، وقابلت عظماء كثيرين قبل أن أقابله ولكني لم أجد من أحدهم هذا الحب لبلاده الذي يبدو واضحًا خلال حديثه عنها كما هو الحال مع فاروق، ولن أنسى أن أحد الضباط الأمريكان رآك يا مولاي في إحدى الحفلات فلم يملك نفسه وهتف: " فليحفظ الله الملك".

وبعدها قال لي هذا الضابط إنه لم يكن يتصور أن سيأتي عليه يوم يهتف لأحد الملوك وهو الذي ولد جمهوريا متعصبًا، وقال لي: إنني لم أهتف حتى لروزفلت نفسه ولكن ملككم هذا رجل عظيم.

يا مولاي، هذه ثمان سنوات، وأنت وهذا الشعب تتقاسمان السراء والضراء وتسيران في طريق الحياة بأزهارها وأشواكها، وستبقيان معًا إلى الأبد، لأن هناك رباطًا من الحب يوثق بينكما، رباطا من الحب الخالد، صورة ملك، صورة شعب.

ودائمًا ما كان الكاتب الراحل يرد على علاقته بالملك ببساطة، بأن هذه كانت مكانة الملك قبل الثورة لدى المصريين، الذين كرهوا الأوضاع السياسية، لكن كانوا لا يزالون يحتفظون بقدر من الحب له، والتقدير.

 

 


مواضيع متعلقة