«المنصورية»: كان فيه زمان مستشفى.. الحكومة قفلته

كتب: جهاد عباس

«المنصورية»: كان فيه زمان مستشفى.. الحكومة قفلته

«المنصورية»: كان فيه زمان مستشفى.. الحكومة قفلته

تقفان على أول طريق قرية المنصورية التابعة لمركز إمبابة بمحافظة الجيزة، دقائق الانتظار تمضى بطيئة مثقلة، تحملان طفلتيهما، ومن خلفهما تنكشف ترعة المنصورية بالجيزة عن تلال من القمامة والحشرات، تنوء برائحة عفنة تزكم الأنوف، تمضى أكثر من ساعة، ولم تتمكنا من العثور على وسيلة مواصلات، تنقلهما إلى مستشفى قصر العينى، الذى يستغرق الوصول إليه ساعة ونصف الساعة.

تقول ولاء محمود، 26 سنة، ربة منزل، إن قرية المنصورية تعانى من إهمال صحى متعمد، حيث لا يتوافر بها أى مستشفى لتوفير الرعاية الصحية بالقرية، مضيفة: «فيه معاناة مستمرة عايشين فيها، بنخاف ولادنا يتعبوا بالليل، مش بنلاقى مستشفى وبنضطر نتبهدل فى المواصلات لحد قصر العينى».

تضيف «ولاء» أن معظم أهالى القرية من البسطاء، والذين لا يتحملون دفع أجور أطباء فى عيادات خاصة، كما يمرض الأطفال بصفة مستمرة، لوجود ترعة مغطاة بالكامل بالمخلفات، ومفتوحة على مصرف مكشوف، حيث تتراكم عليها الحشرات والبعوض، الذى ينقل بدوره العدوى للأطفال.

تؤكد «ولاء» أن مستشفى المنصورية كان الملاذ الوحيد للأهالى، وخاصة الأمهات، اللاتى كن يلجأن للمستشفى لإجراء الكشف على أطفالهن، ولكن تم غلقه دون إبداء أى أسباب، ولم يعد أمامهم سوى الوصول إلى مستشفى قصر العينى لإجراء الكشف على الأطفال.

«بنتى درجة حرارتها عالية بقالها كذا يوم، كنت بروح أجيب دوا من الصيدلية من غير ما أعرف عندها إيه»، تكمل «ولاء» قائلة إنه بسبب عدم وجود مستشفى فى قرية المنصورية، فإن معظم أمهات القرية يلجأن إلى الوصفات الطبية التى يرشحها لهن الجيران، دون أن يقمن بالكشف الطبى على الأطفال، مما يعرض صحة الأطفال للخطر، وأحياناً تزداد مضاعفات المرض، نتيجة تأخر العلاج المناسب للطفل.

وعن معاناة الوصول إلى المستشفى تقول «ولاء» إنه لا يتوافر أى وسائل مواصلات عامة بصفة مستمرة فى القرية، حيث تعيش معاناة قد تستغرق ساعتين من أجل الوصول إلى مستشفى قصر العينى، وإجراء الكشف على طفلتها.

يقول يحيى أبوشلبى، 75 سنة، أحد أهالى قرية المنصورية، إنه يعانى من الفشل الكلوى، حيث يضطر كل فترة للمضى فى رحلة شاقة، يقوم فيها بغسل الكلى، بينما يعانى اثنان من أولاده من أمراض الكبد، مضيفاً: «القرية معظم شبابها الصغيّرين عندهم أمراض كبد ومحدش لاقى علاج».

يقول «يحيى» إن قرية المنصورية تعانى من تهميش متعمد، فى ظل غياب الرعاية الصحية، وعدم تطهير مياه ترعة المنصورية، حيث أكدت نتائج التحاليل التى تم إجراؤها للمياه أنها غير صالحة تماماً للاستعمال الآدمى، وبالرغم من ذلك فإن كثيرين من أهالى القرية مجبرون على استخدام تلك المياه فى الشرب والطبخ والرى وكافة الاحتياجات اليومية.

«يعنى اللى تحصل له حادثة نسيبه ينزف لحد ما يموت»، يؤكد يحيى أن عدم وجود طوارئ، يعرض حياة الكثيرين للخطر، خاصة لعدم توافر وسائل مواصلات فى القرية، وبالتالى عندما يتعرض أى شخص لوعكة صحية مفاجئة أو حادثة فإنه لا يجد أى طوارئ لاستقباله. بينما تقول هدير عبدالراضى، 50 سنة، إن أخاها توفى بعد تعرضه لأزمة صدرية مفاجئة، وذلك عقب صلاة العشاء، حيث قامت زوجته بالاستنجاد بالجيران لإسعافه ونقله إلى أقرب مستشفى، ولكنه توفى قبل وصوله إلى قصر العينى.

«القرية من غير استقبال ولا طوارئ، يعنى سايبينّا اللى يموت يموت مش فارق معاهم»، تضيف «هدير» قائلة إن أخاها توفى فى سن الأربعين، تاركاً زوجته وأولاده الثلاثة، بدون أى دخل يعينهم على مواجهة الحياة، كما أن تاريخه المرضى لم يتضمن أى أمراض مزمنة، ولكنه مات بعدما فشلوا فى توفير تنفس صناعى له. بينما يقول صلاح وفا، 56 سنة، قاضٍ عرفى فى قرية المنصورية: «المنصورية عدد الأهالى فيها كبير أكتر من 50 ألفاً، وكان عندنا مستشفى تكميلى واتقفل من غير سبب»، يقول «صلاح» إن معاناة أهالى القرية فى تزايد مستمر، حيث يعانى معظمهم من الفشل الكلوى وأمراض الكبد.

«الناس بتروح تغسل الكلى وترجع فى ساعتين متبهدلة فى مواصلات من قصر العينى»، يقول «صلاح» إن الرحلة المؤلمة لغسل الكلى وتلقى علاج الكبد، يضاف عليها عدد ساعات مريرة فى المواصلات العامة، لأن قرية المنصورية لا يتوافر بها مستشفى لتقديم الخدمات الطبية للأهالى، مضيفاً أن قرية المنصورية كان يوجد بها مستشفى تكميلى، كما حصلت على تصريح من وزارة الصحة لتطويره وتحويله إلى مستشفى مركزى، لتوفير عدد أكبر من الخدمات الطبية للأهالى، ولكنهم فوجئوا بإصدار قرار بغلق المستشفى، بعد ثورة 25 يناير عام 2011. وفى مدخل قرية المنصورية، يتجمع عدد من المبانى الضخمة، التى تهدّم بعضها، غير مأهولة تماماً، وفى غرفة صغيرة فى حوش المستشفى، يجلس محمد عبدالجواد، مدير المستشفى، قائلاً إن أهالى قرية المنصورية، يعانون من غياب الرعاية الصحية، خاصة بعد قرار غلق المستشفى بصفة دائمة، مضيفاً: كان هناك قرار بتطوير المستشفى، وتم الحصول على تصريح من وزارة الصحة، لتحويل المستشفى من تكميلى إلى مركزى، لتوفير خدمات طبية أكثر شمولاً، وبالفعل تم هدم بعض المبانى لإجراء التطوير. ويكمل «عبدالجواد»: «فوجئنا بصدور قرار عقب الثورة المصرية، بتوقف كافة أعمال التطوير، بل قاموا بسحب الطاقم الطبى أيضاً، وتوقف العمل فى المستشفى بالكامل، وقد بررت الشركة ذلك، بعدم توافر ميزانية كافية، لاستمرار تقديم أى خدمات طبية فى المستشفى».

يختم «عبدالجواد» حديثه: «قرية المنصورية قطاع ريفى، بها أكثر من 50 ألف نسمة، يحتاجون رعاية طبية، خاصة أن معظم أهالى القرية يعانون من أمراض الكلى والكبد، والأطفال يعانون من أمراض جلدية، وأتمنى أن يعاد النظر فى قرار غلق المستشفى من قطاع الصحة».

 


مواضيع متعلقة