ما زال يتذكر جيداً قسمات وجهه فى ذلك اليوم، 2 نوفمبر عام 2004، علامات الضرب وإن اختفى أثرها بمرور الوقت، فإن مرارة تأثيرها بتجريده من ملابسه وتركه فى منطقة صحراوية ما تزال باقية فى نفسه، وحده سقوط ذلك النظام القمعى أعاد إليه رباطة جأشه، كان الاعتداء على الصحفى الثائر، عبدالحليم قنديل، بمثابة صفعة على وجه حرية الإعلام، أراد بها زبانية مبارك أن تبدو رسالة عالية الصوت لكل من تسول له نفسه التجرؤ على صاحب المقام العالى -آنذاك- نزيل السجن الآن، لكن لم يدرك أنه بذلك كان يطرق مسماراً مهماً فى نعش ذلك النظام.
نظام ذهب إلى السجن، وآخر جاء منه، لم يكف قلم «قنديل» عن المراقبة وانتظار الجديد، انتظر مرور المائة يوم فى حكم الرئيس محمد مرسى بفارغ الصبر، بالرغم من اعتباره «رئيس افتراضى لمصر التى يديرها خيرت الشاطر» فى إحدى مقالاته، كان لديه أمل كبير أن يرى مروراً وخبزاً ونظافة وأمناً ووقوداً، ما لبث أن وجد طوابير خبز تملأ الشوارع، ومروراً يزداد اختناقاً، وتلال قمامة تضاهى أهرامات الجيزة، وحوادث سرقة وبلطجة ازدادت يوماً بعد يوم، ووقوداً تائهاً بين التهريب ورفع الدعم عنه، ازدادت الصورة قتامة، فأمسك بقلمه ليعبر فى جريدة «صوت الأمة»، التى يرأس تحريرها، عن يأسه، لم يجد عنواناً يعبر عن الواقع الذى يعيشه المواطن المصرى -من وجهة نظره- خيراً من «100 يوم من الكذب.. مرسى يبيع الهوا للمصريين وينفذ أوامر أوباما»، ثم أطلق العنان لقلمه ليكتب مقالاً بعنوان «كذاااب يا مرسى»، وبعد مرور شهرين على النشر جاء يوم حساب «قنديل» على قلمه الناقل للحقيقة، فمن وجهة نظر النظام الحالى ناقل الكفر كافر وناقل الواقع أيضاً.
لن يكون «قنديل» أول من يقف أمام النائب العام، طلعت إبراهيم، لاتهامه بسب الرئيس وإهانته، فقد سبقه بأيام الإعلامى باسم يوسف بتهمة السخرية من الصلاة وإهانة الرئيس، ولكن اختلف الأمر قليلاً فى أن الناشط السياسى الذى تقدم بشكواه ضد قنديل أضاف فى بلاغه رقم 3703 لسنة 2012 أن مثل هذه الجرائم تثير الفتن والقلاقل بين الشعب المصرى وإثارة الشعب على «مرسى».
قال «قنديل»: «مصر تدفع ثمن فترة نظام مبارك مرتين، الأولى كانت فى فترة حكمه التى امتدت 30 عاماً، والثانية بعد خلعه وسيطرة الإخوان على الحكم»، وكأن المنطق نفسه جاء ليطبَق على صاحبه، فمثلما دفع ثمن هجومه على النظام السابق للمرة الأولى، جاء الوقت ليدفع ثمن هجومه على الرئيس مرسى وجماعة الإخوان حالياً، صحفى ممثلاً للإعلام، فى مواجهة نظام يكره حرية التعبير.