لم يمنعهم الفقر، الذى أحاط بهم من كل جانب، من الابتسام، ولم يحول البيت، الذى يأوى ثمانى أسر بأكملها، من إصدار الضحكات فى جلساتهم المسائية، فسكان بيت «أم غادة» لا يهتموا بتصدع جدران البيت ولا بنوافذه المتهالكة، التى لا يدخلها نور الشمس، حتى باب البيت الذى تتناثر حوله أكوام القمامة، لا ينتقص شيئاً من رضائهم عن حظهم فى الحياة، فقط كل ما يشغلهم «كيف يزيحون مخلفاتهم» التى تتطلب شهرياً 150 جنيها، لعدم وجود صرف صحى.
«هشتكى لمين.. هو الرئيس فاضى للشعب لما يفضى مخصوص لسكان بطن البقرة؟»، قالتها أم غادة، صاحبة البيت، التى كشف جلبابها الأزرق القديم و«شبشبها» البالى و«العكاز» الذى تستند عليه، عن العوز الذى تعيشه هى وأبناؤها الستة، الذى دفعها إلى تسكين سبع أسر معها فى البيت ذى الثمانى غرف والمرحاض الواحد، بعد أن أجبرت ثلاثة من أبنائها على النوم على الأرض وواحداً على الكنبة واثنين بجانبها على السرير!
إحساسها بمعنى الفقر، الذى وصفته بأنه «يقصم ظهر أشد الرجال»، جعلها تحدد 20 جنيها فقط إيجاراً للغرفة، بل إنها تشفق على كل من يأتى إليها ليخبرها أنه لا يستطيع دفع الإيجار هذا الشهر، «كلهم أرزقية على باب الله، بيعبوا تراب الهدم فى شكاير، فيوم يلاقوا شغل ويوم لأ، عشان كده بكتب الإيجار على النوتة».
على الرغم من امتلاك أم غادة «كشك» بقالة، فإنه لم يكن عوناً لها ولأسرتها على مواجهة ضيق العيش، خاصة أن السبع أسر التى تعيش معها، فى أحيان كثيرة يطلبون منها الطعام والشراب «على النوتة»، قائلة: «يعنى أسيب سبع أسر بعيالهم يموتوا من الجوع؟.. يا بنتى إحنا مش لاقيين تمن نزح طرنش المجارى، يبقى هدقق على فلوس الأكل؟! أنا جوزى بقى نفسه ياخد من الكشك ويقول لى سجليه على النوتة!».