بحكم «القانون»: «الفتنة الطائفية» حرة.. و«الإبداع» فى السجن

كتب: إمام أحمد

بحكم «القانون»: «الفتنة الطائفية» حرة.. و«الإبداع» فى السجن

بحكم «القانون»: «الفتنة الطائفية» حرة.. و«الإبداع» فى السجن

«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات، أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه، كل من استغل الدين فى الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة، بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى»، نص الفقرة الأخيرة من المادة 98 بقانون العقوبات، التى يُستند إليها فى جميع قضايا «ازدراء الأديان» المتهم فيها عدد من المفكرين والكتاب والأدباء، على خلاف الهدف الذى وضعت لأجله، وهو مواجهة مشكلة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين بعد أحداث الزاوية الحمراء التى وقعت 1981 مع أواخر فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات. نحو 35 عاماً مرت على المادة «صاحبة الأزمات»، لم تتوقف خلالها حوادث الفتنة الطائفية ولم يُنزع فتيل «القنبلة الموقوتة» من المجتمع، لكن النتيجة الواحدة أن العشرات من ذوى الرأى والإبداع أودى بهم إلى خلف الأسوار.

العديد من الحوادث الطائفية تعارك فيها حاملو «الهلال والصليب» خلال أعوام مادة مكافحة «الازدراء»، قتلى وجرحى واتهامات وتهديدات واعتداءات ومطالبات بالبناء وأخرى بالهدم والتهجير فى العديد من وقائع الدم، منها اشتباكات المنيا أبريل 2015 بين مسلمى وأقباط قرية الجلاء بسمالوط، بعد رشق مجهولين سيارة تستقلها طالبات أقباط بالطوب والحجارة، ما أشعل الوضع ليتحول إلى اشتباكات واسعة بين أهالى الطرفين، وذلك بعد أسبوع من الأزمة التى نشبت على خلفية رفض بناء كنيسة تحمل أسماء الشهداء المصريين الذى ذُبحوا فى ليبيا على يد تنظيم داعش الإرهابى. وفى إمبابة 2011 ظهرت واحدة من أشهر الحوادث التى أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات وإحراق إحدى الكنائس هى كنيسة العذراء، فى قضية بطلتها سيدة مسيحية أشهرت إسلامها هى «عبير فخرى»، لتندلع بعدها مواجهات عنيفة انتهت بمحاكمة 48 متهماً من الطرفين. {left_qoute_1}

حكايات الازدراء المتبادل تخطت مجرد الرأى إلى التنكيل والقتل، ولم تتوقف بين أصحاب الديانات المختلفة لكنها طالت أصحاب الدين الواحد من مختلفى المذهب، حيث شهدت مدينة أبوالنمرس بالجيزة أكثر الوقائع بشاعة بعد قتل وسحل الشيخ الشيعى حسن شحاتة، و3 شيعة آخرين إضافة لإصابة 13، وهى الواقعة التى جاءت فى ظل حكم جماعة الإخوان، وبعد حملات تحذير واسعة من خطورة التشيع وانتشاره فى مصر قادها السلفيون بطول البلاد وعرضها. تاريخ طويل اختلفت فيه الوقائع وتشابهت الأحداث، إلا أن أزمة «الزاوية الحمراء» فى 1981 تظل هى البطل الحقيقى فى مسلسل ازدراء الأديان، باعتبارها «الحادثة الأم» التى أدت لإضافة «المادة الشائكة» إلى قانون العقوبات، فلم توقف حلقات المسلسل، لكن تم توظيفها لمحاكمة آخرين فى غير الغرض الذى وضعت لأجله، وذلك بسبب تضمنها «ألفاظاً مطاطة»، حسبما أوضح الدكتور عبدالله المغازى، أستاذ القانون الدستورى، الذى أكد أنها تتعارض مع حرية التعبير والرأى والعقيدة التى أقرها الدستور الجديد، «لفظ ازدراء الأديان هو مصطلح مطاط فيه الفرد يتحدث عن الأديان بأسلوبه فيفهمه البعض بأنه يسىء للدين، هذه المادة تخالف الدستور ولا يجب الإبقاء عليها، كما أنها لا تخدم الظرف التاريخى الذى خرجت من أجله»، يوضح «المغازى» أن جرائم الاعتداء الطائفى سواء على أفراد أو دور عبادة يمكن مواجهتها من خلال قانونى العقوبات ومكافحة الإرهاب، دون الحاجة إلى مادة الازدراء الدينى التى يساء استخدامها.

كثير من أهل الرأى والإبداع باتوا أهدافاً للمادة التى لم تنجح فى أداء وظيفتها الأصلية، أشهرهم الكاتبة نوال السعداوى التى طالب مجمع البحوث الإسلامية بإسقاط الجنسية المصرية عنها بعد نشر إحدى مسرحياتها، والشاعر حلمى سالم بسبب قصيدته «شرفة ليلى مراد» وسُحبت منه جائزة الدولة، والدكتور نصر حامد أبوزيد الذى تم اتهامه بالكفر بسبب أبحاثه التى تقدم بها لنيل درجة الأستاذية وحكم فيها بالتفريق بينه وبين زوجته، والروائى الشاب كرم صابر، ارتكب جُرماً عظيماً حين كتب مجموعة قصصية اسمها «أين الله»، بها 13 قصة قصيرة تُمثل ما يعانيه المواطن المصرى من ظلم وقهر باحثاً ومتسائلاً عن رحمة الله؟ القضية التى سافر على أثرها إلى هولندا، وصولاً إلى الداعية إسلام بحيرى الذى ينفذ حكماً بالحبس لمدة عام، بعد تخفيفه بدلاً من السجن لـ5 سنوات على أثر التهمة نفسها، والكاتبة فاطمة ناعوت التى صدر ضدها حكم مماثل بالحبس لـ3 سنوات.

{long_qoute_1}

مطالبات بإلغاء التهمة وصل صداها إلى أول مجلس نواب عقب ثورة 30 يونيو، لم يتبناها أحد الأعضاء المحسوبين على التيارات الليبرالية أو العلمانية، لكن الدكتورة آمنة نصير أستاذة الفلسفة الإسلامية، التى نجحت فى الحصول على عضوية البرلمان، هى التى قادت المبادرة التى أيدها ووقع عليها عشرات النواب، تقول: «لا يوجد شىء اسمه ازدراء الأديان، الازدراء الحقيقى يوجد فى الممارسات السيئة التى انتشرت فى مجتمعنا، أخلاقياً وتربوياً، يجب أن نقاوم هذه الممارسات والسلوكيات لنكون مجتمعاً صحياً ونافعاً، يعرف قيمة العمل وأهمية الوقت والتوازن بين حريته ومسئوليته واحترام حقوق الآخرين، حينذاك يكون للدين قيمته، أما نحاكم كل صاحب رأى بتهمة الازدراء فهذا هو نوع من الازدراء أكثر قبحاً». الداعية الإسلامية التى خاضت معارك كثيرة ضد التيارات الدينية المتشددة، أكدت أن المجتمع يعانى من مشكلات ثقافية وأخلاقية عديدة، هى تلعب دوراً رئيسياً فى أزمات الفتنة الطائفية، وبالتالى علاج ذلك لا يكون بنص قانونى يساء استخدامه، ولكن بنشر الوعى والفهم وقيم قبول واحترام الغير مع الاحتفاظ بحق التعبير عن الرأى.