حكايات طوابير اليأس والرجاء

كتب: أمانى هولة

حكايات طوابير اليأس والرجاء

حكايات طوابير اليأس والرجاء

رغم ضآلته مقارنة بمثيل لا يزال فى الذاكرة عالقا -بقدر ما أسعدنا بقدر ما خيب أملنا- يمتد على مدد بصرك يلتقى بخط الأفق المتعثر بين أرصفة وبنايات وأشجار منهكة. وقفت آخذ دورى -كان طابور دائرتى الانتخابية بكلية فنون جميلة- أبحث عن ذلك الإحساس الذى غمرنى فى المرة الأولى فلا أجده.. حين كنت أحتضن بعينى أجمل صفوف لم أرها فى حياتى من قبل، تشبه التواءات النيل المنهمر على ضفاف عطشى.. وزغاريد تنطلق من حين لآخر معلنة عن «زفة الحرية»، تصحبها حلوى أوزعها بحماس على الأحباء الذين أراهم لأول مرة لكنى أعرفهم جيدا.. وأفتينا فى ما لا نعلم ووافقنا على تعديلات لا تستر من عورات الدستور المهلهل أكثر من ورقة توت عصفت بها أول رياح تغيير لتبدو الحقيقة بكل قبحها وتثبت الأيام أسوأ ما فى تنبؤاتنا تشاؤما.. لكننا بروح المقاتل العنيد نفضنا غبار معارك فاشلة ونهضنا مرة أخرى، أو على الأقل من تبقى منا فى أرض المعركة، متشبثين ببقايا أمل تعلمناه من الصغار الذين كانوا كبارا.. ورغم انكسار الشمس لم تنكسر عزيمتنا فى الوقوف انتظارا للحظة الحقيقة... بدأت أتأمل مَن حولى كما بدأوا يفعلون هم، ورغم عدم دخول أحد من الواقفين للجنة إلا أن الطابور بدأ يتقدم.. حرت فى تفسير هذه الظاهرة.. حتى أدركت.. فقد بدأت القلوب تتآلف والمسافات تقل وحوارات لا تنتهى تجمع الرؤوس الحائرة تتحلق بحثا عن إجابات صعبة.. لم أستطع مقاومة موروث الثرثرة كبقية بنات جنسى ولأول مرة لم تأخذنا تلك الأحاديث التافهة التى تضيع الوقت.. - ربنا يسهل وتكون بفايدة... أنا شايفة إن أبوالفتوح راجل وسطى ونضيف. - والله حاجة تحير بس أنا قررت أنتخب عمرو موسى.. راجل فاهم وعارف سياسة.. - لا، لا، لا.. حمدين بالنسبة لى هو الشخص المناسب.. - أنا شخصيا جاية أنتخب أى حد.. المهم الإخوان ما يوصلوش، (قالتها محجبة). - أستغفر الله العظيم.. دى عنصرية بقى!! - ده هم أبوالعنصرية.. وبعدين أيه الطقوس اللى ابتدعوها دى أنا عمرى ما سمعت إن الرسول كان بيسمح لحد يقبل إيده.. وهو أولى أن الناس تبوس رجله. - يا جماعة إحنا عايزين استقرار.. شفيق هو الرجل المناسب للمرحلة دى علشان البلطجية.. ده وعد أنه فى 24 ساعة هيلمهم - أرجوكم بالعقل كده.. ده لو أقوى جهاز أمنى فى العالم مسئوليته المهنية والاحترافية ماتسمحلوش إنه يدعى هذا الكلام.. إزاى هيمنع البلطجة فى 24 ساعة؟ ده حتى لو أصدر أحكام بإعدام كل البلطجية محتاج وقت علشان كل الناس تعرف وبالتالى يخافوا يبلطجوا.. وفكرة خلينا نجرب دى ماتنفعش فى مصير شعب.. وخاصة مع نماذج فشلت قبل كده. - أنا بقى مش فلول.. أنا أم الفلول. نظروا إلىّ وكل واحدة تأمل فى حليف.. ولأن قناعتى الشخصية -أو قل حلمى- بمجلس رئاسى لإنقاذ وطنى يتكون من حمدين صباحى وأبوالفتوح وخالد على وأبوالعز الحريرى والبسطاويسى، أجبت: إننى لن أسامحهم إذا ضاعت الأصوات بينهم.. وأضاعونا، فقد ظللت أصرخ فى كل مناسبة ومع كل ذى علاقة بهم «اتحدوا.. نرجوكم من أجل مصر.. صفقة من أجل كل من ضحوا وماتوا.. ألا يستحقون.. لا تتركونا عرضة للاحتمالات.. هذا ليس مجالا للمقامرة... هناك أمة تضيع... اتحدوا.. أو موتوا»، دون جدوى.. زهدت فى تكرار نفسى.. شردت خارج حدود الحوارات أقاوم يأسا تسرّب مع الأيام لأستيقظ من تأملاتى فأرى ما بهرنى: صور تحكى ما لا يصفه أى كلام.. لأدرك يقينا أنه رغم كل شىء مصر لن تضيع. * سيدة يتدلى من جسدها (درنقة) يبدو أنها خضعت لعملية جراحية حديثة جدا جاءت تتحامل على ذراع زوجها لتقولها فى صمت: مصر لن تستسلم. * امرأة عجوز لم يترك لها الزمن مساحة على وجهها بدون علامات لذكرى ابتسامات وأحزان.. جاءت تستند على مشاية يعاونها الجميع لتعلن أن الحلم ليس له تاريخ انتهاء صلاحية. * أم تحمل طفلين أحدهما لا يتعدى عمره أياما لم تجد من يرعاهما فحملتهما فى عناد ووقفت نهارا بطوله لتعلن «أنا هنا ومعى الغد جاء يتلقى أول دروس الحرية». * شاب فى وجهه تلمح مصر.. توقف قليلا قبل دخول اللجنة وبدأ يهمهم ثم مسح على وجهه ليرد حاله على سؤال كنت أود أن ألقيه.. إنها الفاتحة على روح الشهدا.. وخطواته تشى بوعد لن يحنث به. *لتأتى تلك المتشحة بالسواد رغم خطوات مثقلة بالهموم ودموع صامتة -أزعم أنها لم تجف- تضع يدها تتحسس صورة شاب يختزل مصر فى عينيه معلقة على صدرها تتحدث بفخر، بشموخ يبهر الجميع، وأصبح هو حديث الجميع وحضوره أطغى.. ذلك الملقى فوق قلبها.. رغم أنه ماوقفش فى الطابور.. ولا صباعه اتعطر بالحبر الفسفورى.. ولا اتزفش على عروسته.. (الحرية).. لكنه موجود.. وهيفضل موجود... أمانى هولة AMANYHOLA@YAHOO