مشكلة «محمود» ليست «أكل العيش مر».. بل خيبة أمله فى الثورة
«اللى مالوش ضهر ينضرب على بطنه».. كانت الحُجّة التى استند عليها محمود الشاعر، ذلك الشاب البالغ من العمر 30 سنة، ليضرب فى هذه السن نموذجا لمئات الشباب الذين يعملون فى غير تخصصاتهم.
«محمود» حاصل على بكالوريوس هندسة قسم عمارة عام 2004، لكنه لا يطبق حرفا واحدا مما تعلمه طوال دراسته، يعمل صباحا «مُشرف أمن» فى محطة مترو الأنفاق، وبعد الظهر «قهوجى»، دوره هو خدمة الزبائن وتقديم الشاى والقهوة لهم «بعين مكسورة»، على حد قوله: «الشغل مش عيب.. لكن لدرجة الإهانة ده يبقى شىء صعب.. تخيل لما تلاقى واحد مش عارف يفك الخط قاعد على القهوة وبيتمنظر عليك.. وتلاقى واحد تانى حاطط رجل على رجل.. أنا ساعات باسأل نفسى.. هو إيه السبب اللى خلانى كده».
يعرف محمود الإجابة جيدا، ورغم إحساسه هذا يعتبر عمله الذى يقضى على أغلب ساعات يومه من السادسة إلى الواحدة صباحاً مكسباً كبيراً، بعد أن أغلقت فى وجهه كل الأبواب، فمنذ تخرجه فى كلية الهندسة بتقدير (جيد) بحث كثيرا عن نتاج يترجم به لقب «مهندس»، لكنه لم يوفق.. لا لشىء من وجهة نظره إلا لأنه لا يملك الحسنيين: الواسطة والفلوس، من هنا بدأ مشواره مع الاكتئاب، وقرر أن يعمل لمجرد الحصول على العيش، وليس بهدف العيش نفسه، فكان القرار بالعمل فى شركة أمن فى شرم الشيخ مقابل 600 جنيه، وكانت البداية كافية لمدة 5 سنوات تلبى احتياجات أساسية، وكان أداؤه فيها دافعا لترقيته داخل الإطار نفسه، أى «مشرف أمن».
«من عاش من أجل فكرة نالها».. هكذا عاش يحلم بذلك اليوم الذى يناديه فيه أحدهم بالـ«باشمهندس». ظل يضرب فى الأرض حاملاً شهادة تخرجه يمينا ويساراً بحثا عن أمل واحد فقط، لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن: «بعد الثورة قالوا إن الأمور هتتعدل وكان عندى أمل كبير.. أعلنوا عن تعيينات وكان التقديم فى وزارة المالية، وفعلا قدمت أوراقى هناك، لكن مفيش فايدة، محدش رد عليا، الظاهر كده الثورة دى خدعتنا».
«محمود» الذى يُغطى يومياً شهادة الهندسة برداء القهوجى، يرى أن السبب فيما آلت إليه ظروفه هى مصر: «نفسى أطلع براها.. البلد دى عمرها ما هتتعدل.. العدالة الاجتماعية اللى نادت بها الثورة لم تتحقق حتى الآن.. يرضى مين إنى أكون حاصل على بكالوريوس هندسة واشتغل قهوجى بـ40 جنيه فى اليوم؟!».
اكتئابه وعدم تحقق أمله وقفا حائلاً بينه وبين كثير من أحلام الشباب العادية، فالزواج أو حتى مجرد الخطوبة رفاهية لأمثاله، ليس للظرف المادى فحسب (عدم امتلاكه شقة، وعمله 18 ساعة متواصلة) بل لوضعه الاجتماعى أيضا، فهو لا يستطيع التقدم لفتاة باعتباره «قهوجى». هذا الاكتئاب جعله لا يرى أملا فى أى تغيير منتظر، فرئيس الجمهورية القادم لن يكون إضافة بالنسبة له، ولن يغير من وضعه شيئا، لذا كان قراره بحجب صوته فى انتخابات الإعادة: «صوتى مش هيغير أى شىء، وعصر مبارك الذى قالوا إنه ظالم يعتبر أفضل كثيرا من عصر الثورة التى تدعى العدل ولم تحقق منه شيئاً».