الإخوان و«أستاذية العالم»: تعيش «الجماعة» وتذهب «الأوطان» إلى الجحيم

كتب: لطفى سالمان

الإخوان و«أستاذية العالم»: تعيش «الجماعة» وتذهب «الأوطان» إلى الجحيم

الإخوان و«أستاذية العالم»: تعيش «الجماعة» وتذهب «الأوطان» إلى الجحيم

لم يكن سعى الإخوان للوصول للسلطة فى مصر، الهدف الأهم للتنظيم، كان لديهم إيمان بهدف أكبر، لكن تحقيقه يستلزم الوصول لسدة الحكم فى مصر والعديد من الدول الأخرى، إنه أستاذية العالم، التى لا تعترف بماهية الأوطان ولا الحدود، ولا بمفهوم الوطنية. الدول بالنسبة لهذا الهدف، مجرد وسائل لا قيمة لها. ومصر لم تكن إلا محطة للإخوان فى طريق الوصول لإقامة دولة الخلافة الإسلامية والوصول إلى أستاذية العالم.

وكل الشعارات التى يرفعها الإخوان، أو تم رفعها خلال فترة وجودهم فى الحكم، لم تكن إلا وسائل للوصول للغاية المنشودة، المتمثلة فى «الأستاذية»، التى لا تعترف بحدود الأوطان ولا الدساتير ولا بمفهوم الدول الوطنية الحديثة، القائمة على القانون والدستور، وإنما تقوم على الولاء والبراء، ومفاهيم القرون الوسطى، التى لم تعد تناسب أوقاتنا الآنية.

{long_qoute_1}

ولم يولد هذا الهدف الإخوانى حديثاً؛ إذ إن حسن البنا، المؤسس الأول للتنظيم، طالما نادى بمراحل الوصول لأستاذية العالم، وقال إنها تبدأ بالفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، ثم الحكومة المسلمة، ثم الدولة المسلمة، وصولاً لأستاذية العالم. وفى سبيل ذلك، انتهك الإخوان حدود الأوطان، وسعوا حثيثاً للانتشار والتوسع فى الدول، بحيث يتمكنون من الوصول للسلطة فيها، فيصلون بذلك لأستاذية العالم.

وفكرة الخلافة الإسلامية لدى حسن البنا ارتبطت بفكرة العقيدة الدينية، التى يرتبط بها المسلمون على مستوى العالم، وبغض النظر عن أعراقهم وجنسياتهم الوطنية. أما سيد قطب فلم يختلف موقفه عن موقف حسن البنا، حيث إن العقيدة هى الرابط الأساسى للمسلمين، يقول قطب «إن المجتمع الإسلامى وحده هو المجتمع الذى تمثل فيه العقيدة رابطة التجمع الأساسية، الذى تعتبر فيه العقيدة هى الجنسية بين الأسود والأبيض والأصفر والأحمر والعربى والرومى والفارسى والحبشى وسائر الأرض فى أمة واحدة ربها الله»، ولم يهتم سيد قطب بالتفاصيل كثيراً، بل إنه لم يدع إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية، كما فعل حسن البنا، بل كان أكثر تشدداً، وتطرف فى رفضه للدولة العربية القائمة، وذلك حين تبنى نزعة ثورية تقضى بـ«جاهلية» المجتمع العربى القائم، وبالدعوة من جانب آخر إلى «الحاكمية».

ومفهوم الأستاذية، يعنى تجاوز حدود الوطن فى ما يتصل بالولاء، وكان التنظيم العالمى يشترط على المنتسبين إليه، الالتزام بمنهج الإخوان، والسمع والطاعة فى غير معصية. وقد تحول هذا القسم إلى صيغة «عهد» لا صيغة قسم. فالشخص يتعهد بتنفيذ تعليمات التنظيم، كما أن صيغة البيعة للمرشد العام تعد بيعة مطلقة. وهذا يتعارض مع القسم الوطنى المطلوب للوظيفة العامة أو النيابة العامة فى البرلمان، حيث يقسم الشخص بالولاء لله وللوطن وللدستور وفقاً لنص القسم القائم فى كل دولة. وبناء على ذلك لا يستطيع المنتمى لجماعة الإخوان، باعتباره عضواً فى هذه الجماعة، التى هى بدورها عضو فى التنظيم الدولى، أن يكون مخلصاً لوطنه، لأن ذلك يتعارض مع صيغة البيعة المطلقة للمرشد العام للجماعة.

وعمل الإخوان على تحقيق هذه الخطة على مدار أكثر من ثمانية عقود، وأنشأوا خلالها شبكات عالمية وتغلغلوا، فى الكثير من المجتمعات، وفى أكثر من سبعين بلداً حول العالم، ونصبوا فى كل بلد مراقباً عاماً، ويرأس الجماعة على المستوى العالمى المرشد العام الذى يتم انتخابه من مجلس شورى الجماعة على أن يكون من مصر. ولعل خطورة ما يسمى بأستاذية العالم، ذكره الإخوان صراحة فى اللائحة الداخلية للتنظيم، التى تنص على أن «الإخوان فى كل مكان جماعة واحدة، يجمعها النظام الأساسى، وأهدافها تحرير الوطن الإسلامى بكل أجزائه من كل سلطان غير إسلامى وقيام الدولة الإسلامية». كما تشير اللائحة إلى أن كـل تنظيـم قُطرى هو جـزء مـن التنظيـم الدولى للإخوان، وأن مراقب التنظيم يعطى البيعة للمرشد العام فى جمهورية مصر العربية».

ولأن الإخوان، وفقاً للائحتهم، جماعة لا تؤمن بالوطنية ولا بالقومية العربية، ولا مانع لدى قادتها من التعاون مع الجهات الخارجية لاختراق الوطن العربى وتحقيق حلمها بالوصول إلى «أستاذية العالم»، سرعان ما سقطت، بعد سنة واحدة من حكمها فى مصر، وأيضاً مشاركتها الحكومة فى تونس؛ وتوالى السقوط فى بقية دول العالم، وفى كل مكان امتدت فيه شبكتها. والتفت الجماعة على فكرة الخلافة وروجت لأستاذية العالم كى تهرب من الملاحقة الدولية مستبطنة الإرهاب. وهذا يعنى أن هؤلاء لا ولاء لهم لقضايا الوطن والمجتمع الذى ينشطون فيه، بقدر توجيههم الولاء والطاعة صوب المشروع الذى ينتمون إليه، وهو «الخلافة وأستاذية العالم».

وهذا المفهوم -أستاذية العالم- لا يختلف كثيراً عن مفاهيم التنظيمات الراديكالية كـ«داعش والنصرة»، التى تسعى لما يسمونه «كسر الحدود». وهذه فكرة خادعة، طالما تم استخدامها فى تجنيد وحشد وتعبئة الشباب للانضمام إلى هذه الجماعات وتلك التنظيمات بدءاً من تنظيم «الفنية العسكرية» الذى ظهر فى مصر عام 1974 وحتى ما يسمى تنظيم «داعش»، وقد لبست هذه الفكرة لبوس تصور الكفاح من أجل الخروج من الانحطاط، والتصدى للحملات الاستعمارية ضد الأمة الإسلامية.

ويرى ثروت الخرباوى، القيادى السابق بجماعة الإخوان، فى كتابه «فتح مصر»، أن فكرة الوطنية والأمن القومى لا قيمة لها لدى جماعة الإخوان وليست من أهدافهم أو أولياتهم، مستشهداً بمقولة حسن البنا مؤسس الجماعة: «يجب أن نصل إلى أستاذية العالم والوطن وسيلة وليس غاية». وأضاف: «ومقولة مهدى عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين: طظ فى مصر والإخوان فوق الجميع»، مشيراً إلى أن عقيدتهم تُبنى على عدم الاهتمام بالأمن القومى المصرى، وتربية شباب الإخوان على أن الوطنية «مكروهة».

ويقول الدكتور جمال سند السويدى، فى كتابه «السراب»، الذى صدر مؤخراً: «لم يكن توجه الجماعة إلى الخارج منعزلاً عن الهدف الأساسـى من قيامها، بل يأتى كمرحلة أساسية فى إطار سعيها كهدف أخير إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية. فالخلافة فى نظر البنا شعيرة دينية ورمز لوحدة العالَمين العربى والإسلامى، بل الأهم تحقيق ما سماه البنا (أستاذية العالم). لذا فالوحدة الإسلامية فى إطارها المتمثل فى الخلافة تعد من الأصول الفكرية الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنها على عكس بعض الجماعات كحزب التحرير مثلاً، الذى يؤمن بالتغيير من الرأس إلى القاعدة -أى بتغيير الراعى لإصلاح الرعية- ترى أن يتم ذلك بالتدرج ومن القاعدة إلى القمة، ولذلك اتسمت أهداف الإخوان المسلمين بطبيعتها المرحلية، وانتشارها التدريجى بحسب الظروف الداخلية القائمة والبيئة الدولية السائدة، وربما يعد ذلك أحد مكامن خطورتها ومقدرتها على التسلل إلى الوعى الجماعى للشعوب، عبر آليات التنشئة الاجتماعية والتربوية».

فيما كشف الباحث هانى عبدالله، فى كتابه «كعبة الجواسيس.. الوثائق السرية لتنظيم الإخوان الدولى» الصادر مؤخراً عن «مركز الأهرام للنشر» وثيقة مهمة وخطيرة حول «هيكلة التنظيم الدولى للإخوان» صدرت عقب سقوط حكمهم فى مصر، تبين أن التنظيم تمكن خلال السنوات الماضية من أن يكون «رقماً مؤثراً فى المعادلات السياسية للدول الغربية»، وأنه يحاول أن ينظم صفوفه بعدما جرى للإخوان فى مصر عبر ما يسميه «توحيد الكلمة وتنسيق المواقف فى مواجهة المؤامرات العالمية»، وزيادة حجم المتعاطفين مع التنظيم فى مختلف أنحاء العالم، والمحافظة على الفكرة ووحدة الحركة، والتنسيق بين فصائل الجماعة فى مختلف الأقطار، والانطلاق إلى تحقيق الهدف الرئيسى الذى يسمونه «أستاذية العالم».

ويسرد الكاتب ويحلل فى كتابه، الكثير مما يتعلق بقنوات الاتصال السرية بين الإخوان والاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية والتركية، وخطة واشنطن لضم الإخوان إلى ما يسمى «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، والشبكة الكاملة للتنظيم الدولى فى أوروبا والولايات المتحدة، والخريطة التفصيلية لأجهزة الجماعة المجهولة لكثيرين، والشفرة السرية لمراسلات التنظيم، ووسائل الإخوان فى اختراق مجتمعات ومؤسسات دول الخليج العربى، وتفاصيل مشروع «التمكين» الذى وضعته الجماعة قبل ثورة يناير، وخدعة «التيار الإصلاحى» داخل الجماعة الذى أشاعته عن نفسها لتخدع كثيرين، وخطة الجماعة لتشكيل جيش شعبى كبديل عن القوات المسلحة المصرية، من أجل تحقيق مشروعهم الأهم.

 

 


مواضيع متعلقة