«يوم التحرير» فى ذاكرة أهل سيناء: رشقنا طائرة الضباط الإسرائيليين بالحجارة

كتب: حسين إبراهيم

«يوم التحرير» فى ذاكرة أهل سيناء: رشقنا طائرة الضباط الإسرائيليين بالحجارة

«يوم التحرير» فى ذاكرة أهل سيناء: رشقنا طائرة الضباط الإسرائيليين بالحجارة

لكل شىء ذكرى تترك فى الفؤاد إما غصة أو فرحة لا تحتويها الضلوع، لكن أعظم فرحة أن تكون محرراً، تملك قرارك، وتشعر بالأمان والحب من الجميع، حيث قال النبى (صلى الله عليه وسلم): «من بات آمناً فى سربه، معافى فى بدنه، معه قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها»، وما أن تأتى ذكرى تحرير سيناء كل عام، حتى تتوارد مشاهد انسحاب آخر جندى إسرائيلى من أراضى سيناء، التى كانت صبيحة يوم 25 أبريل عام 1982 محررة بالكامل.

يحكى أهالى سيناء حكايات ذكرى انسحاب المحتل، وإسقاط أعلامه، ورفع العلم المصرى على مدن وقرى سيناء، وسط الغناء والضحكات والأفراح، التى استمرت لأكثر من شهرين بشكل يومى فى مدينتى الشيخ زويد ورفح، آخر المناطق المحررة. يقول سلمان سواركة، من أهالى الشيخ زويد: «أتذكر أننا استيقظنا مبكراً يومها، حينما قال لنا الشيخ سعيد، شيخ العشيرة، اليوم سوف تأتى السيادة المصرية، وأضاف (المختار)، وهو لقب الشيخ، اليوم سوف نحتفل مع الجنود المصريين بعودة الأرض وطرد المحتل، اليوم سوف نرفع العلم هنا، وأشار الشيخ على ساحة كبيرة أمام المدرسة الابتدائية، التى هى الآن قسم شرطة الشيخ زويد».

{long_qoute_1}

ويكمل: «بالفعل ما إن دقت الساعة الثامنة صباحاً، حتى جاءت سيارات الجنود المصريين، الذين سجدوا على الأرض، وسجد معهم الناس، فى ميدان الشيخ زويد، وتعالت الصيحات: الله أكبر الله أكبر، وبث المذياع الأغانى الوطنية لعبدالحليم حافظ، نعم أتذكرها جيداً». ويقول أنس سليمان: كان عمرى لا يتجاوز 8 سنوات، حينما قلت لأبى الذى حملنى على كتفه وسط الزحام الكبير، وتجمع الآلاف من كل حد وصوب «من هؤلاء؟» فقال لى «الجنود المصريين، هم أقاربنا الذين حاربوا من أجل أن تتحرر الأرض، قاتلوا وأرغموا المحتل على الانسحاب من أرضنا هذه التى نقف عليها اليوم».

صلاح أبوقاسم قال: أتذكر أنه كانت هناك طائرة هليكوبتر إسرائيلية، آخر المنسحبين من الشيخ زويد، وكان يركبها 4 عسكريين إسرائيليين، قال لنا أحد الرجال الكبار، حينما بدأت الطائرة بالإقلاع «اضربوهم بالحجارة وحبات البرتقال»، وبالفعل اقتربنا من الطائرة وأمطرناها بالحجارة والبرتقال، حتى توقفت ونزل منها الجنود الإسرائيليون مرعوبين، وقد اشتكوا إلى أحد الضباط المصريين، الذى كان يقف على مقربة من الأولاد، وكان يبتسم لما قام به الأولاد، لكنه قال لهم «كفى»، ولم يسمع الأولاد الكلام وانضم إليهم رجال، وأقلعت الطائرة الإسرائيلية وسط رعب العسكريين الذين كانوا بها، وصيحات الكبار والصغار تقول «ارحل ارحل، الله أكبر الله أكبر، تحيا مصر».

أحمد البطين، يقول: «كان عمرى 17 عاماً تقريباً، سمعت بخبر انسحاب الجنود الإسرائيليين، فذهبت مسرعاً إلى ميدان الشيخ زويد، وقد كانت نقطة إسرائيل مكان مجلس المدينة الآن، وكانت عبارة عن خنادق ومتاريس، فذهبت إليها مسرعاً، ودخلت إلى داخل الحفر والخنادق، فوجدتها خاوية تماماً، ولم يعد فيها أى جندى، ففهمت أنهم انسحبوا تحت جنح الظلام، فلم أتمالك نفسى من الفرحة، نزلت داخل الحفر والخنادق ودخلت الغرف، وجعلت أتحسس المكان وكان معى بعض أولاد الجيران، وجاءت لنا الأخبار بأن عدداً من المستعمرين اليهود لا يريدون أن ينسحبوا، وجاءت لهم طائرة خصيصاً لتأخذهم، وكانوا مختبئين فى خزان المياه الموجود بجوار ملعب الشيخ زويد، فنزل من الطائرة يهودى مسن، ومعه جنود وطيارون إسرائيليون، فنزلوا فى خزان المياه الفارغ، وقاموا بإخراج 3 شباب إسرائيليين كانوا يصرخون ولا يريدون الانسحاب، وصعدوا بهم إلى الطائرة رغماً عنهم وهم يبكون، والناس يكبرون ويقولون لهم: ارحلوا أيها الغاصبون أيها المحتلون أيها القتلة، وحدث نقاش حاد بين الأهالى واليهود يومها، تحول إلى مشاجرة، إلا أن الجنود أخذوا الثلاثة وانصرفوا بالطائرة، وما إن علت الطائرة إلى عنان السماء حتى ألقت «قنبلة» فى الخزان، لينفجر ويقع على الأرض، ليبقى شاهداً على احتلالهم لأرضنا وانسحابهم رغماً عن أنوفهم».

اما أهالى قرية أبوشنار، التى كان اسمها «ياميت»، فقد سردوا الحكايات بشكل آخر، قال الحاج محمد أبودرب: «سمعنا أن اليهود ينسحبون من الشيخ زويد، وسوف ينسحبون من رفح، وكنا نقف على بعد أمتار من مستعمرة ياميت، وكنا نستعد لاقتحامها فور انسحاب الجنود والمستعمرين منها، وبالفعل ما إن أتت الساعة العاشرة من صباح 25 أبريل، حتى كانت الحافلات الإسرائيلية تتحرك من ياميت، وسط صراخ اليهوديات وأبنائهن، ممن يرفضون فكرة الانسحاب، وكان الجنود يقومون بحمل السيدات اللاتى كن يقلن (آكى ريقا)، ومعناها بالعبرية (اصبر شوية)، لكن الجنود كانوا ينفذون الاتفاقية بأوامر من قادتهم بالانسحاب من المكان فوراً»، ويضيف رشدى أبودرب: «دخلنا المستعمرة بسرعة فلم نجد شيئاً نأخذه، لينسحب الجنود وقد أخذوا كل شىء، حتى الورود والأشجار التى كانت مزروعة داخل المستعمرة أخذوها معهم، ولم يكتفوا بذلك بل جاءت الطائرة وقامت بتدمير المستعمرة عن بكرة أبيها، لتبقى حتى يومنا هذا شاهدة على احتلالهم لأرضنا وتخريبهم لها».

وفى رفح، تقول الناشطة السيناوية منى برهومة: «فى عام 1982 وقبل انسحاب المحتل الصهيونى من سيناء بشهرين، قالوا لنا فى المدرسة إنه سيتم امتحان الطلبة والتلاميذ المصريين قبل انتهاء العام الدراسى بشهور، لأن سيناء ستعود إلى مصر، وفى ذلك الوقت كنت بالصف الأول الإعدادى، بمدرسة خديجة بنت خويلد، بحى كندا برفح المصرية، لكن إدارة المدرسة وهيئة التدريس بها كانت فلسطينية».

وتضيف «منى»: «هناك موقف لن أنساه أيضاً، عندما استضاف والدى مجموعة الموظفين من لجنة تسلم سيناء بمنزله قبل التحرير بأسبوع، باعتبارة من وجهاء وأعيان رفح، فرحنا لأننا هنخلص العام الدراسى مبكراً، وهنكون تحت السيادة المصرية، التى طال انتظارها، وتتحرر سيناء من دنس المحتل، الذى أفسد الزرع والحرث وأهان الأرض والعرض». وتتابع: «فى يوم 25 أبريل 1982 فى تمام الساعة 1 ظهراً، والجميع يستعد هنا فى رفح سيناء، من قيادات سياسية وأمنية وشعبية لتسلم سيناء، وخروج آخر جندى صهيونى ورفع العلم المصرى بمنطقة البرازيل، أمام مدرسة الثانوية بنات وغرب الحدود الدولية حالياً بـ350 متراً، والجنود الصهاينة يبكون من الاتجاه الآخر، والمصريون فرحون وسط الزغاريد والأغانى الوطنية والأطفال يحملون الأعلام فرحين، وإذا بالسماء تمطر، وكأنها تشارك المصريين فرحتهم، ورفع العلم وقتها محافظ شمال سيناء المرحوم يوسف صبرى أبوطالب، وكانت الأمطار غزيرة وكأنها تغسل الأرض من دنس المحتل.. فعلاً لن أنسى هذا المشهد رغم مرور 34 عاماً على هذه الذكرى».

وتضيف: «رغم أن سيناء تنزف الآن دماً ودمعاً، بسبب الحرب المشتعلة والمؤامرة من أجل زعزعة الاستقرار وتدمير الشجر والبشر والحجر، فإن ذكرى تحريرها لن تنسى، لأننى على المستوى الشخصى أتذكر هذا اليوم جيداً، ومع أننى غالباً أنسى عيد ميلادى، لكننى لا أنسى ذاك اليوم، وذكراه الجميلة، وأتمنى الحرية لسيناء من التهميش والإقصاء والعزلة والمتربصين والطامعين والخبث والخبثاء، وأن يعمها الأمان والاستقرار الاجتماعى والاقتصادى والسياسى لأن أمان مصر يبدأ من هنا».

ويقول المهندس هشام الشعراوى، من أبناء العريش: «لا أتذكر التاريخ تماماً، لكنى أتذكر أن دخلت ناقلات الجند للجيش المصرى من أمام منزلنا على شارع الفاتح ببحر العريش، وقد استقبلنا جنودنا استقبال الفاتحين وكنا نلقى عليهم الشيكولاتة (السلفانا) فى لحظات لم أرَ مثلها فى حياتى، فقد كان الموقف مهيباً ومؤثراً، ودموع الكبار والصغار والنساء تتساقط كالمطر من الفرحة.. إنها لحظات عودة سيناء لحضن الأم مصر».

ويضيف «الشعراوى»: «بقيت ناقلات الجند لأكثر من أسبوع متوقفة، فى الطريق الرئيسى بمدينة العريش، وكان أهلنا يحضرون وجبات الطعام إفطار وغداء وعشاء وكنا نقوم بتوزيع الوجبات على الجنود وكانت كل البيوت توزع الطعام على السيارات التى أمامها عن حب وفرحة بجنودنا وعودة سيناء. أتذكر أيضاً عندما انقلبت ناقلة جند بسبب السرعة الزائدة، بمن فيها أمام مسجد الخلفاء الراشدين حيث قام الأهالى بإنقاذ الجنود والضباط وقاموا بإحضار المصابين بكسور منهم إلى منزل جدتى (رحمة الله عليها) حيث كانت معروفة بقدرتها على علاج الكسور بالتجبير. وقامت جدتى بعلاج ضابط وعدة عساكر من المصابين يومها، لم أرَ فرحة فى حياتى مثل فرحتنا يوم عودة سيناء، ودخول جنودنا إلى مدينة العريش، ومنها إلى مدينتى الشيخ زويد ورفح، آخر المناطق التى تم تحريرها وطرد المحتل منها ورفع العلم المصرى، وسماع نشيد بلادى بلادى لك حبى وفؤادى».

 

 


مواضيع متعلقة