تداعياته فى إسرائيل: حسرة ومظاهرات غضب وتعويضات

كتب: محمد سعيد

تداعياته فى إسرائيل: حسرة ومظاهرات غضب وتعويضات

تداعياته فى إسرائيل: حسرة ومظاهرات غضب وتعويضات

لم يمر يوم الخامس والعشرين من أبريل عام 1982 الذى تم فيه تحرير سيناء من المستوطنين مرور الكرام بالنسبة لإسرائيل، حيث ساد الحزن أرجاء إسرائيل، وترك فى نفوس المواطنين والمستوطنين الإسرائيليين أثراً مؤلماً، وعمت الاحتجاجات والمظاهرات فى شوارع إسرائيل، واستطلعت البرامج التليفزيونية آراء المواطنين، التى خرجت مشوبة بالحزن والحسرة لضياع تلك الأرض التى يعتقدون أنها إسرائيلية، وقامت الأحزاب الدينية المتشددة بإعلان رفضها لتلك الخطوة.

الدكتور عمرو علام، أستاذ الدراسات العبرية بجامعة المنوفية، يوضح أنه فى هذا اليوم، مع الانسحاب الإسرائيلى الكامل من سيناء الغالية، وبينما كانت الفرحة تعم أرجاء مصر بتحرير تراب الوطن، كان الوضع مختلفاً داخل المجتمع الإسرائيلى، حيث ترك الانسحاب الإسرائيلى من سيناء أثراً نفسياً مؤلماً لدى المستوطنين اليهود الذين تم إخلاؤهم بالقوة من سيناء من ناحية، وأجج خلافاً عميقاً داخل الأوساط السياسية والاجتماعية فى إسرائيل من ناحية أخرى.

{long_qoute_1}

وأشار «علام» إلى أن المجتمع الإسرائيلى أصيب بالصدمة وهو يشاهد علم مصر يرفرف خفاقاً فوق سيناء معلناً السيادة المصرية كاملة على سيناء، وهرعت الجماعات والأحزاب الدينية المتشددة خاصة «جوش إيمونيم» إلى إعلان احتجاجها على ما يحدث، خاصة أن مثل هذه الأحزاب تنظر إلى الأراضى التى تحتلها إسرائيل على أنها أراضٍ محررة وتقع ضمن نطاق «الوعد الإلهى» بالأرض لليهود، ولا يجوز التنازل عنها. ويضيف: «سادت حالة من الحزن والأسى معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث أذاع التليفزيون الإسرائيلى تقريراً حول آلام الانسحاب من سيناء، ذُكر فيه أنه قبل الخامس والعشرين من أبريل بأيام قليلة من عام 1982 تم إخلاء (ياميت) التى كان مخططاً لها أن تكون ثالث أكبر مدينة ساحلية فى إسرائيل، بعد تل أبيب وحيفا، وأخلى معظم المستوطنين اليهود بيوتهم بإرادتهم قبل موعد الإخلاء النهائى، إلا أنه سرعان ما تحصن نشطاء من اليمين الصهيونى المتطرف داخل بيوتهم، الأمر الذى جعل عملية الإخلاء تنزلق نحو صراع عنيف بين القوات الإسرائيلية والمتحصنين اليهود، وقاد عملية الإخلاء حينها وزير الدفاع الإسرائيلى آنذاك آرئيل شارون».

أما على المستوى السياسى، فيؤكد «علام» أن الأحزاب الدينية اتهمت حكومة «بيجين»، التى وقعت اتفاق السلام مع مصر، بالتهاون والتقصير فى الحفاظ -حسب ادعائهم- على الأرض المقدسة، تلك المنحة الإلهية من قبل الرب، ولم يهدئ من روعهم مشاهد الهدم والخراب التى خلفتها القوات الإسرائيلية قبل الانسحاب من سيناء. ومن هنا ربما تكمن خطورة التداخل بين الدين والسياسة فى دولة مثل إسرائيل، لأن الأحزاب الدينية أو حتى الجماعات المتطرفة تبنى ممارساتها السياسية على مقتضيات لا تقبل المساومة أو التسوية، وهو أمر يتعارض تماماً مع طبيعة الممارسة السياسية الإسرائيلية.

{long_qoute_2}

وعلى المستوى الاجتماعى، يُتابع «علام»، فإن انهيار الأسر اليهودية التى تم إخلاؤها من سيناء أثار عاطفة الكثير من الكتاب الإسرائيليين، وعمت الاحتجاجات داخل المجتمع الإسرائيلى، خاصة داخل الأوساط الدينية المتشددة، واستطلعت القنوات التليفزيونية الإسرائيلية آراء المواطنين تجاه هذا الحدث، وبدت الحسرة والندم على كثير منها، خاصة أنها المرة الأولى التى تقوم فيها إسرائيل بالانسحاب من أراضٍ كاملة قامت باحتلالها، وقدم الأطباء النفسيون مشورتهم للأسر اليهودية المنهارة جراء ذلك الانسحاب، كما أصدر الكنيست الإسرائيلى قراراً بإلزام الحكومة الإسرائيلية بدفع تعويضات مالية هائلة للأسر اليهودية التى تم إخلاؤها من سيناء، بلغت حوالى 240 مليون دولار أى ما يقرب من 60 مليار شيكل بالعملة الإسرائيلية، حيث تلقت كل أسرة ما بين أربعة إلى ثمانية ملايين شيكل كل حسب مساحة المستوطنة التى كان يعيش فيها.

ويتفق معه الدكتور أحمد حماد، رئيس قسم اللغة العبرية السابق بكلية آداب جامعة عين شمس، قائلاً: «حدث العديد من الاحتجاجات فى ذلك اليوم نتيجة إخلاء مستوطنة ياميت، التى تقع إلى جانب مدينة العريش، وأحدثت مرحلة الإخلاء بلبلة فى الشارع الإسرائيلى باعتبارها تعادل شرم الشيخ، لكن فى منطقة الشمال، وكانت هناك حالة من الاستماتة لعدم التفريط فيها بالإضافة إلى حدوث العديد من المظاهرات فى ذلك اليوم». 

 

الدكتور خالد سعيد، خبير الشئون الإسرائيلية، يقول: «حالة من الحزن العميق سيطرت على المواطنين والمستوطنين الإسرائيليين فى سيناء فى ذلك الوقت بسبب اعتقادهم أنهم فى ذلك اليوم خرجوا من الأرض التى وهبها الرب لهم باعتبار أنها أرض مقدسة». ويقول الدكتور منصور عبدالوهاب، المحلل السياسى، إنه من حيث المبدأ فإن إسرائيل عندما وقعت على اتفاقية السلام كان الشعور الغالب لمستوطنى مستعمرة «ياميت» أنها أرض إسرائيلية، وكانت الدعاية الإسرائيلية تبث فى قلوب الشباب أنها أرض إسرائيل وظهر ذلك فى مشهد إخلاء المستوطنة، التى كانت مؤثرة فى الصحافة المصرية والإسرائيلية، حيث كانت إسرائيل تنظر إلى سيناء فى البعدين الاستراتيجى والعسكرى على أنها من الممكن أن تحل المشكلة الفلسطينية وهى أن تكون امتداداً طبيعياً لقطاع غزة.

ويتابع «منصور» أن إسرائيل تريد أن تظل سيناء دون تعمير أو كثافة سكانية حتى تضمن عدم وجود أى تهديد لها على المدى البعيد، وأنهم كانوا يؤيدون فكرة الانسحاب مقابل السلام فى البداية ولكن بعد الرفض الشعبى للتطبيع مع إسرائيل اتضح أنه سلام رسمى فقط على الأوراق فيما يطلقون عليه «السلام البارد»، وبدأ مبدأ «السلام مقابل الأمن» يحل محل مبدأ «الأرض مقابل السلام».


مواضيع متعلقة