قالوا فى تعريف التجنيد: هو خدمة عسكرية إجبارية ملزمة للشباب المصرى بجميع فئاته ويعفى منه من كان عائلا لأسرته.. إذن لماذا لم يُعفَ منه هؤلاء؟
لا يجمع المجند المصرى بزميله المجند شىء، ولا يفرق بينهما شىء، يجمعهما الحال نفسه، من فقر وبؤس وضيق ذات يد ونصف جهل ورغبة جامحة فى العيش -أى عيش- تحت أى ظرف؛ فالحياة بالنسبة لهم عبارة عن لقمة وشربة ونومة و«أفندم».
تفرق بينهما طبيعة الخدمة، عسكرية أم شرطية، وتعود لتجمعهما الهيئة، فلكليهما بدلة تتهدل جوانبها يمينا ويسارا دون هندمة، وجسد هزيل نحيل لا يقوى على حماية نفسه، فإذا به يحمل سلاحه ويتأهب للمواجهة والدفاع -ليس على الحدود فحسب، مثل «عبدالودود» بطل رائعة أحمد فؤاد نجم- يفرق بينهما المعسكر ومدى قربه وبعده عن العمران، ويجمعهما المصير؛ فالموت على الحدود شهيدا للعدو هو نفسه الموت فى قطار شهيدا للإهمال. لا يؤمن أكثرهم بالقدرات، يقدمون على التجنيد الإجبارى والاختيارى بوعى أنه الملجأ والملاذ والشىء الباقى من حقوقهم التى أغفلتها الدولة.
تسأل أحدهم، وهو راقد على سرير متهالك: انت كويس؟ فيرد بأسى: الحمد لله، خايف بس ياخدونى غياب فى المعسكر. تنهار من فرط الأسى على حاله وأنت تبحث فى القاموس عن معنى للفظ مجند.. تراه تجنيدا للجسد والعقل أم تغييبا لكليهما؟ كم كان الراحل أحمد زكى مبدعا حين قدم دوره فى فيلم «البرىء»، كان مثالا لهؤلاء الذين يَقتلون ويُقتلون، يَقتلون دون وعى تنفيذا لأوامر، ويُقتلون بدم بارد، فلا ثمن لهم ولا قيمة تتجاوز «توجيه العزاء لقاداتهم».
حين وقف المجندون فى وجوه المصريين الثائرين قبل عامين كانوا ينفذون تعليمات قائدهم بالمحاصرة والتطويق والضرب، تسأل أحدهم: لماذا تضرب؟ فيجيب: دى الأوامر اللى عندى يافندم. فتعيد إليه السؤال: أنا أخوك لماذا تواجهنى؟ فيجيب بحسم: لا أعرف سوى القائد ولو ما ضربتش هانضرب.
يضع المتفائلون الحادث فى مرمى القدر، يعتبرونه اختبارا حقيقيا لإرادة المجندين البواسل، فقد رأوا الموت، بل مات بعضهم فى أول أيامهم فى التجنيد.. إذن هو اختبار، لكن هل اختبار لإيمان الجنود وصلابتهم أم لرئيسهم وحكومتهم؟ يضع سائل استفساره على قارعة الطريق ويمضى دون إجابة: أتراهم يدبون الأرض بهمة وحماس من جديد، أم أن الموت لأتفه الأسباب سيحاصرهم؟ أتراهم يلبون نداء الوطن أم يلبون نداء القدر، حين يصبح المجند المصرى «شهيدا تحت الطلب»؟