انطلقت سيارة المحافظة على طريق مغمور بماء النوة، رائحة يود البحر تملأ الجو خارج السيارة، والريح قد هدأت بعد ثورتها التى كانت أيام عيد الميلاد، «هل ستبقى المياه فى الشارع طويلاً؟» تساءل نائب المحافظ داخل سيارته، فأجابه أحد معاونيه «جارٍ نزحها يا فندم» سكت هنيهة ثم قال بلثغة واضحة فى لسانه «بسرعة، وإلا أكلت المعارضة وجهنا».
محفوفاً بذوى البأس الشديد من حراسه، انتقل من سيارته إلى المستشفى الذى استقبل ضحايا ومصابى عقار المعمورة الذى سقط قبل وصوله إلى المستشفى بساعات، اقتربت منه أكثر السيدة النحيلة بعباءة الحداد السوداء، وقد انتفخت عيناها بكاءً «والدتى وأخى توفيا فى العقار يا سعادة الباشا».. اكتسى وجهه بالأسى، نظر إلى أسفل، شبك يديه ثم فاجأها بالقول «سبقوكى للجنة.. كلها موتة، وكلنا هنموت».
قبل ساعات، كانت أساسات أحد عقارات المعمورة قد تشربت ما يكفيها من مياه ليندكّ العقار وينطبق على من فيه من سكان، انطوى العقار على عظام ولحم سكانه كطىّ السجل للصحف، يصل الخبر إلى الدكتور حسن البرنس، تزداد عيناه الضيقتان ضيقاً، ويزيدهما تقعر نظارته ضيقاً على ضيق، لا تسكت هواتف مكتبه، فى طريقه تتصيده كاميرا إحدى الصحف يُسأل عن المتسبب «بالطبع لسنا المذنبين، ولكن يتحمل النظام السابق الوزر لأنه سمح لهذه العقارات بأن تقوم» قالها نائب المحافظ، المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة.
ثلاثة وعشرون قتيلاً، وأحد عشر مصاباً، وفى رواية أخرى ثمانية وعشرون قتيلاً، تتضارب أرقام وزارة الصحة، لكن نائب المحافظ لا يأبه لتخبط الأرقام «مات ثمانية وعشرون، لكن الجهود التى بذلناها أنجت أحد عشر آخرين.. انظروا للإيجابى، المشكلة يتحملها النظام البائد»، تستفز إجابته أحدهم فيتساءل «وإن كان النظام البائد قد خلّف تلك الكوارث، فماذا فعلتم لمحوها؟».
فى وقت سابق، كان الدكتور البرنس، وكيل لجنة الصحة بمجلس الشعب المنحل، على رأس المطالبين بنقل الرئيس السابق محمد حسنى مبارك إلى مستشفى طرة، هددوه وقتها بالقتل، فصرح تصريحاً ثائراً «أنوار الحرية لن تخبو لأن أرواحنا وقود لها»، مواقف مشابهة كان فيها يرتدى عباءة الثائر الذى يدافع عن ثورة التغيير.
الدكتور حسن البرنس، من مواليد مارس 1960، درس الطب فى جامعة الإسكندرية، وحصل منها على درجتى الماجستير والدكتوراه فى مجال الأشعة، لكن أستاذ الأشعة عاجز إلى الآن عن الكشف عن مواضع الخبث، والورم فى جسد المحافظة التى عُيّن نائباً لمحافظها.