معرض القاهرة للكتاب بين تحديات تراجع "القوة الناعمة" وهموم "الأنيميا الثقافية"

كتب: أش أ

 معرض القاهرة للكتاب بين تحديات تراجع "القوة الناعمة" وهموم "الأنيميا الثقافية"

معرض القاهرة للكتاب بين تحديات تراجع "القوة الناعمة" وهموم "الأنيميا الثقافية"

قبل ساعات معدودة من بدء الدورة الرابعة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، التي ستبدأ اعتبارا من 26 يناير الحالي حتى الخامس من فبراير المقبل، ينبغي الالتفات لأهمية هذا المعرض العريق في تعزيز "القوة الناعمة المصرية" التي تواجه تحديات ملحوظة، بقدر ما يتوجب تأكيد أن هذا المعرض مناسبة تستحق الاحتفال بالكتاب وقيمة القراءة ودحر "حالة الأنيميا الثقافية". ولا حاجة في هذا السياق لاستدعاء أرقام وإحصاءات تكررت كثيرا حول التراجع المخجل للكتاب وتوزيعه، بما يعكس أزمة القراءة التي تشكل أحد أهم أسباب حالة الأنيميا الثقافية، كما أن قراءة المشهد الثقافي الغربي قد تؤدي لإعادة النظر في اتخاذ الإنترنت كذريعة أو مشجب تعلق عليه أسباب هذه الحالة. فاللافت في الغرب أن هناك اهتمام غير عادي بقضية القراءة في عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وسعي حثيث للتصدي لأي سلبيات على القراءة، خاصة بالنسبة للنشئ والشباب. ومن بين القضايا المطروحة في "البرنامج المهني" لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، وهو المعرض الذي يوصف بأنه "تظاهرة ثقافية"، وتشارك فيه 25 دولة من بينها 17 دولة عربية و735 ناشرا و25 مؤسسة ثقافية، كيفية التعامل مع المواقع العالمية الإلكترونية للكتب والجودة في الإنتاج. ومع محاولة تطويع الإنترنت لخدمة قضية القراءة لا العكس، فإن كيانا ثقافيا مثل "نادي الكتاب" في بريطانيا بات يشجع الاتصال الشفاهي المباشر وجلسات قراءة النصوص الأدبية، كسبيل لجذب جمهور جديد للكتاب. وإذا كانت العائدات من تنزيل الكتب الإلكترونية المسموعة على شبكة الإنترنت زادت في العام الماضي في بريطانيا بنسبة تقترب من 33%، فإن كيانا ثقافيا بريطانيا غير حكومي يحمل اسم "رابطة القارئ" ينظم الآن أسبوعيا 350 جلسة قراءة في حلقات نقاشية مباشرة بين الكتاب والجمهور. وها هي الحكومة البريطانية تدعم حملة تستهدف تشجيع طلاب المدارس على قراءة الشعر وفهمه وحفظه، فيما تمول وزارة التعليم الحملة، التي تتضمن مسابقات بين طلاب المدارس في استظهار قصائد منذ القرن 14 وحتى نهاية عام 2012. ويأتي ذلك بينما أفاد موقع "بيرسون" الإلكتروني، المعني بتقييم درجات التعليم في العالم وفقا لمعايير دقيقة، خروج مصر ومعها بقية الدول العربية من قائمة الدول الأكثر اهتماما بالتعليم، فيما انضمت دول جديدة لهذه القائمة، من بينها تركيا وإندونيسيا. وفي ضوء الارتباط الوثيق بين الثقافة والتعليم، لا جدال أن هذا الاستبعاد من القائمة، التي تصدرتها فنلندا وكوريا الجنوبية، يعكس نوعا من التراجع الثقافي يفضي لتآكل القوة الناعمة، فيما تستمر أزمة القراءة وانزواء الكتاب بمعزل عن الحياة العامة، التي تشكل بدورها جملة أسباب تؤدي لانحسار القوة الناعمة. ودون تهوين أو تهويل، يتعين على مؤسسات صنع القرار المصرية التوقف مليا عند مغزى القرار الذي اتخذه منظمو مهرجان المسرح العربي، الذي أقيم بالدوحة هذا العام، باستبعاد مصر من فعاليات المهرجان؛ لأن العروض المسرحية المصرية المرشحة هي، بحسب البيان الرسمي لإدارة المهرجان، عروض دون المستوى. وحسب كتابات في صحف ووسائل إعلام مصرية، فإن العروض المسرحية المصرية التي رُشِّحَتْ للمهرجان، وهي "في بيتنا شبح"، تأليف لينين الرملي، و"ليل الجنوب" لشاذلي فرح، و"حنظلة" للمخرج الشاب إسلام إمام، عن نص للكاتب السوري الراحل سعدالله ونُّوس، تميزت بالتنوع الفكري والفني، فيما ذهب البعض إلى أنه "لا معنى لهذا الاستبعاد سوى الترصد لثقافة مصر وفنها". ومن أبطال مسرحية "في بيتنا شبح"، الفنان أشرف عبدالغفور، نقيب الممثلين، الذي تعرض لانتقادات في بعض الصحف ووسائل الإعلام لالتزامه الصمت حيال هذا الاستبعاد، وهي انتقادات طالت أيضا قيادات وزارة الثقافة. وتساءل باسم صادق في جريدة الأهرام: "لماذا تجاهلت اللجنة المنظمة للمهرجان مخاطبة وزارة الثقافة بشكل رسمي لترشيح العروض؟"، معتبرا أن "كونه مهرجانا خاصا لا يعفيه من هذه المسؤولية، ومخاطبة نقيب الممثلين المصريين لا تكفي، خاصة أمام موقفه الصامت". وتابع: "كيف يسمح صناع القرار في مصر لعروض مصرية بهذا الحجم أن تقف موقف الامتحان أمام صناع مهرجان لا تاريخ له بهذا الشكل، خاصة أنه كان من الأولى أن تختار مصر العرض المناسب وتُخطر به الهيئة العربية للمسرح، وذلك بحكم فارق التاريخ والخبرة، وعلى إدارة المهرجان أن تستجيب احتراما وتقديرا لمكانة مصر". وخلص صادق إلى أن الاستبعاد جاء بحجة واهية "لا معنى لها سوى الترصد لتاريخ مصر الفني والسياسي"، فيما أكد نقاد أن العروض الثلاثة المستبعدة من مهرجان الدوحة المسرحي هي "عروض راقية تنتمي للمسرح الجاد، وتضم عددا من كبار المبدعين في مصر على مستوى التأليف والإخراج والتمثيل". واستبعاد مصر من هذا المهرجان يترتب عليه استبعادها أيضا من مهرجان الشارقة المسرحي، الذي تنظمه "الهيئة العربية للمسرح"، التي تولت تنظيم مهرجان الدوحة المسرحي، وهي هيئة إماراتية خاصة هدفها المعلن "الارتقاء بفنون المسرح والتآخي بين الدول العربية من خلال الفنون المسرحية". ويعود تاريخ المسرح المصري إلى 140 عاما، ويزخر بأسماء رائدة مثل يعقوب صنوع وبديع خيري ونجيب الريحاني وعلي الكسار ويوسف وهبي وأمينة رزق، فيما كانت العلاقة وثيقة للغاية بين المسرح والتنوير. وحتى على مستوى الإبداع الروائي في مصر، فإن هناك من النقاد من يؤكد التلازم الوثيق بين فن الرواية وفكر الاستنارة، فيما تصدت "الرواية الإحيائية" أو رواية النهضة للعلاقة بين أبناء المجتمع الواحد وهموم التحديث، دون أن تغفل العلاقة بين الشرق والغرب. ولا يمكن للمراقب للمشهد الثقافي الغربي الراهن، خاصة في الولايات المتحدة، سوى أن يشعر بالإعجاب حيال هذه الموجة من الروايات الجديدة، التي ترصد بالإبداع والمعرفة معا الأخطاء الأمريكية في الحرب على العراق، ومحاولة فهم ما جرى بالضبط من حماقات، فيما تتألق أسماء روائيين ومثقفين مثل بن فاونتن ودافيد إبرامز وكيفن باور، صاحب قصة "الطيور الصفراء"، وصاحب المقولة الدالة :"إن الأدب يمكن أن يساعد القارئ في فهم الحقيقة بصورة أعمق كثيرا من الصحافة". فالفضاء الثقافي الغربي بتجلياته الإبداعية يتمحور حول الكتاب، سواء بصيغته الورقية التقليدية أو في صيغته الإلكترونية، والسباق دائما نحو جذب القارىء وزيادة جمهور الكتاب، وهي حالة إيجابية مضادة "للأنيميا الثقافية" التي تعاني منها مجتمعات أخرى. ورغم كل محاولات التشكيك في جدوى الكتاب وفعالية الكلمة، في فضاء يتصاعد فيه القُبح ويتردى فيه الذوق العام وتستريح فيه بعض النفوس لجهلها بعد أن تمكنت منها حالة "الأنيميا الثقافية"، تبقى المعرفة السبيل الوحيد للتقدم، ويبقى الإبداع علاجا ناجعا للنفوس المتشوقة للحق والخير والجمال. فالانحدار المخيف في قيمة المعرفة و"الجهل بالآخر" يعني حجز مكان خارج التاريخ، والانكفاء على العجز والاكتفاء بالوهم وعصيان رسالة السماء للأمة والإنسانية كلها، التي بدأت في محكم التنزيل الكريم بكلمة "اقرأ". ولعل معرض الكتاب الجديد، الذي سيُعقد تحت عنوان "حوار لا صدام"، يُسهم في علاج حالة الأنيميا الثقافية، وأهم أسبابها وهي أزمة القراءة.