جلس وحيدا فى الفصل بمدرسة «الشهيد جلال الدين الدسوقى» بكفر الشيخ، يفكر فى الإهانة التى تعرض لها زميله بدون أى مبرر، لقد كانت ظلما، ما الذى جعل ناظر المدرسة يعاقب طالبا بضربه لمجرد أنه أبدى رأيه، لم يطل التفكير، طوى درجات السلم سريعا، نزل فناء المدرسة ورغم سنوات عمره الـ 16، وقف أمام الناظر بثقة وقال: «يا حضرة الناظر أنت مش من حقك تعاقب زميلى بالشكل ده لأنه قال رأيه»، فانفجر فيه الناظر صارخا: «أنت إزاى يا ولد تكلمنى كده، أنا هنا اللى أقرر مين يتعاقب ومين مايتعاقبش».
بعد هذا الحوار تم فصله وهو فى الصف الثالث الثانوى، ورغم ذلك لم يفقد لحظة إيمانه بأهمية قول الحق، رنت فى أذنيه كلمات أبيه: «قول الحق من غير خوف»، ولكن كان خوفه الأكبر من غضب والده الفلاح الذى يريد أولاده فى أعلى مراتب التعليم ليعوضوه عن سنوات الشقاء.
تردد الابن كثيرا قبل أن يبلغ والده بالخبر المشؤوم، لكنه استجمع قواه ودخل على والده وقال بصوت خفيض: «أنا اتفصلت من المدرسة»، ثم روى له ما حدث، انتظر من والده أن يعنفه أو يصرخ فى وجهه لكنه رد قائلا: «ماتخفش من قولة الحق».
هذه العبارة التى يسمعها من والده للمرة الثانية زادته قوة وإصرارا، واجتمع بأهل بلدته كلها لعمل اعتصام أمام المدرسة حتى تم نقل الناظر إلى مدرسة أخرى وعاد هو معززا مكرما إلى فصله.
هذه الواقعة علمت الابن معانى كثيرة: الشجاعة، الإصرار على الحق والدفاع عنه، حتى صارت كالهواء الذى يتنفسه.
كبر الابن وانتقل من المدرسة إلى الجامعة وكلمات والده مازالت ترن فى أذنيه.
فى الجامعة كان للابن دور مؤثر، فلم يكن طالبا عاديا، لدرجة أنه وقف أمام زعيم سياسى مهم كوقفته أمام ناظر مدرسته، وقال له: «حرام أن يعيش إنسان على أنه بيحترم تاريخه جدا، وفجأة يسقط كل هذا أمامه بسبب سياستكم»، لم يخف وهو يقول هذه الكلمات فقد تعلم الدرس من والده، تعلم أن كلمة الحق تقال من دون خوف.
بعد هذا الموقف لم تسر حياته على ما يرام، فقد تعرض للاعتقال مرات عديدة، إحداها عندما كان يقضى شهر العسل.
بعد ثورة 25 يناير، اختلفت حياته كلية، فقد اتخذ قرارا جعله محط أنظار العالم كله وليس مصر فقط، صار اسمه يتردد فى كل الأوساط وصورته تعلق فى كل مكان: على جدار فى شارع، على سيارة، على كوبرى. وصار هو الزعيم الذى يستند عليه الفقراء الذين يتحدث باسمهم، وعدد كبير من المصريين رأوه طوق نجاة لهم من بقايا نظام بائد وإسلاميين يريدون السيطرة على مصر كلها.
إنه حمدين صباحى.. وكيل مؤسسى حزب «الكرامة»، والحصان الأسود فى الانتخابات الرئاسية.