مش كل اللى تحت الأرض مجارى.. المهم الإرادة

كتب: فاطمة مرزوق

مش كل اللى تحت الأرض مجارى.. المهم الإرادة

مش كل اللى تحت الأرض مجارى.. المهم الإرادة

{long_qoute_1}

سلالم محدودة تقودهم إلى عالم سفلى أشبه بجحر الفئران، يغيبون فيه عن أهل الأرض، فتتلاشى السماء من أمام أعينهم تدريجياً ليستقبلهم ظلام دامس يرافقهم نهاراً وليلاً، بعد أن حُرموا من التمتع بأشعة الشمس ونسمات الهواء الطلق، يرافقهم عدو ذو رائحة كريهة يُدعى «المجارى»، تطل شرفتهم الصغيرة على أقدام المارة الذاهبة والعائدة حتى سئموا رؤيتها، يسيرون فى حذر حتى لا تصطدم رؤوسهم بالسقف المنخفض الذى أصابهم بـ«وسواس الموت» خشية من سقوطه فوقهم، تفاصيل كثيرة اختبأت فى «بدروم صغير»، ظن البعض أنه ملاذ مؤقت لبواب العمارة أو يُستخدم كمخزن لبعض الأشياء، لكن الواقع الذى لا يدركه البعض أن هذا المكان المخيف تعيش فيه أسر بأكملها يمارسون حياتهم كسائر البشر، بعضهم نجح فى التأقلم مع الوضع والبعض الآخر صار ضحيته.

رغم تطابق معاناة قاطنى «البدرومات» التى تتمثل فى «طفح المجارى» وسوء الظروف الصحية والمادية، فضلاً عن حالات الاكتئاب التى يصابون بها، إلا أن الأجواء بدت مبهجة فى بدروم عم «عاشور» القاطن بمنطقة الزهراء فى مصر القديمة، يجلس الرجل الستينى على أريكة من الطوب الأحمر، بناها لحمايتهم من مياه «المجارى»، يجلس حوله بناته وأزواجهن فى تناغم غير مقصود، تعلو ضحكاتهم لتغمر أرجاء «البدروم»، نموذج ناجح لأسرة فقيرة نشأت فى ظروف صعبة لم تتخل عن أواصر الصلة بين أفرادها: «عندى 7 عيال، 2 اتجوزوا وبيزورونى دايماً، والباقى معايا، أنا اتولدت فى البدروم ده واتجوزت مع أمى فيه ولما ماتت صاحب البيت كتب العقد باسمى».

{long_qoute_2}

ظروف صحية قاسية مر بها الرجل الستينى، إلا أنه تصدى لها واستطاع أن يوفر حياة كريمة لأبنائه: «كلهم خدوا الدبلوم وده فضل ورضا من عند ربنا، ولو الظروف كانت تسمح كنت دخلتهم الجامعة، وربنا قدرنى وسترت بنت وجوزت ولد، والباقى ربنا يعينى عليهم، جالى تيبس فى العمود الفقرى من سن 17 سنة بسبب وصفة أمى عملتها ليا وعشت باقى حياتى مش بقدر أتحرك غير على العكاز، وضهرى ورقبتى حركتهم وقفت بعد عمليات كتيرة عملتها، مراتى عندها حساسية والمرارة والكبد، من الريحة الوحشة والمجارى وكل شوية يطلبوا تحليل بالهبل وبندفع فلوس كتيرة ولسه موصلناش لأى حاجة، كل دكتور بكلمة واحنا مش معانا فلوس نصرف، ده غير مصاريف البيت والمدارس».

تلتقط منه أطراف الحديث ابنته الكبرى «عبير» وتتحدث عن والدها وتصفه بالبطل الكبير الذى تحدى الظروف: «أبويا اتحمل كتير أوى وشقى علينا، بس لما كبر فى السن جاله اكتئاب والدكتور قال لازم يقعد فى مكان منعزل عن البدروم، بنيت ليه أنا وإخواتى أوضة فى جنينة العمارة ليه لوحده يغير جو فيها بس بندفع إيجارها 120 جنيه لوحدها»، تذكر معاناتهم الدائمة مع مياه المجارى التى أسفر عنها تلف أثاث البدروم بأكمله: «المجارى دايماً طافحة وساعات بتغطى التليفزيون، وبتبهدل لينا الدنيا، بنبقى نايمين ونصحى من النوم نلاقى نفسنا غرقانين فيها ولما العفش باظ بعناه كله بـ120 جنيه والتلاجة اتحرقت وكل حاجة اتخربت، وفى عز البرد مش بنفرش الأرض بسببها، كل الناس مفكرة إننا بوابين العمارة علشان قاعدين فى البدروم، بس إحنا زينا زى أى ساكن وبندفع إيجار». {left_qoute_1}

جانب آخر شديد المثالية من حياة سكان «البدروم» تمثله الحاجة «سميرة» وأبناؤها الثلاثة القاطنون بمنطقة المنيل القديم، اختارت أن تعمل خادمة فى البيوت لتلحق أبناءها بالتعليم العالى، بعد أن صار زوجها عاطلاً عن العمل: «ابنى أحمد الكبير خلص هندسة وهيدخل الجيش خلاص، والتانى فى حاسبات ومعلومات، وشيماء فى 3 ثانوى عام، أنا نفسى أشوفهم أحسن ناس فى الدنيا، ومبسوطة إنى قدرت أساعدهم لأن الظروف اللى اتربوا فيها ماتساعدش على أى نجاح»، يجلس أبناؤها فى أماكن متفرقة من الغرفة فى صمت، الكل يباشر عمله الدراسى، والأم منهمكة فى إعداد الطعام لهم.

وتضيف: «عيالى لبسهم كويس والحمد لله وفى كليات قمة، واللى يشوفهم مايصدقش إنهم عايشين فى مكان زى ده أبداً، الناس اللى بتتحجج بالظروف والبيئة ده غلط، اللى عاوز يعمل حاجة بيوصل ليها، ورغم إننا مش عارفين نتأقلم على حياة البدروم، بس أنا راضية عن نفسى وعن عيالى علشان علمتهم كويس وعرفت أربيهم، ومكملة معاهم لحد ما يتجوزوا وأطمن عليهم».


مواضيع متعلقة