الجهاد الذريعة التى استخدمها الإرهابيون لسفك الدماء باسم الدين

كتب: محمد كامل

الجهاد الذريعة التى استخدمها الإرهابيون لسفك الدماء باسم الدين

الجهاد الذريعة التى استخدمها الإرهابيون لسفك الدماء باسم الدين

الجهاد من أكثر المصطلحات الإسلامية التى تستغل من قبل الجماعات المتطرفة، لتجنيد الشباب وتنفيذ استراتيجيتهم الإرهابية، ومن قبل أعداء الإسلام بالهجوم عليه والتأكيد أن الإسلام دين عنف انتشر بالسيف. والجهاد فى اللغة هو بذل الجهد والوسع والطاقة، وفى الدين فإن الجهاد هو الجهد المبذول من أجل الدين كله، فيشمل بذلك الحياة وهو الجهاد الأكبر، ومن الجهاد العمل على إعلاء كلمة الله والقتال ونشر الدين ورد العدو وهو الجهاد الأصغر.

وروى البيهقى والخطيب البغدادى حديثاً عن النبى صلى الله عليه وسلم، حين رجوعه من إحدى غزواته أنه قال: «عدنا من الجهاز الأصغر إلى الجهاد الأكبر، فقالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله، قال: جهاد النفس». وقسم علماء المسلمين الجهاد إلى مراتب، منها ما هو واجب على كل عاقل مكلف أو فرض عين، مثل جهاد النفس وجهاد الشيطان، والقسم الآخر: ما هو واجب على الكفاية أو فرض كفاية، مثل جهاد المنافقين والكفار وأرباب الظلم والبدع والمنكرات.

{long_qoute_1}

وفرض العين هو الواجب على جميع المسلمين العاقلين المكلفين دون استثناء، لا يسقط عن أحد إذا قام به أحد، أما فرض الكفاية، فهو الفرض الذى إذا فعله أحد المسلمين سقط عن بقيتهم، لذا أصبح جهاد النفس وجهاد الشيطان فرضاً على كل مسلم لا يسقط عن أحد إن قام به أحد آخر، وجهاد الكفار والمنافقين فرض كفاية إذا قام به أحد سقط عن الآخرين.

وقسّم العلماء الجهاد إلى أربعة أقسام أخرى: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وقالوا إن أعظم الجهاد جهاد النفس.

ورغم توضيح العلماء للجهاد فإن جماعات الإسلام السياسى والجماعات المتطرفة، اختزلت الجهاد فى نوع واحد فقط هو جهاد القتال، وبدلاً من أين يكون جهاد القتال ضد الكافر المعتدى، أصبح ضد المخالف بدعاوى مختلفة منها الردة ومنها انضمامه للطائفة الممتنعة عن تطبيق شرع الله ومنها كفره، ووسعت مفهوم الكفر ليشمل المخالفين لهم.

وجعل الإخوان الجهاد الركن الرابع من أركان البيعة العشرة التى يبايع الإخوان عليها، حتى يصبحوا إخواناً فعلياً، وأركان البيعة العشرة التى وضعها مؤسس الإخوان حسن البنا، هى المبادئ الأساسية لمنهج الإخوان ونظامهم.

{long_qoute_2}

كما جعل الإخوان شعارهم: «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا»، إلا أن الجهاد الذى يقصده الإخوان لا سيما فى الوقت الحالى، جهاد ضد المخالفين لهم والرافضين لحكمهم أو عودتهم للحكم، حتى إن الكثير من الباحثين والمختصين اعتبروا ثورة 30 يونيو ثورة كاشفة لحقيقة الإخوان.

وانتقل مفهوم الجهاد، من الإخوان إلى الجماعات الأخرى، فكان عند صالح سرية، مؤسس تنظيم الفنية العسكرية، والقريب من تنظيم الإخوان، جهاد الانقلاب على الحاكم، حيث حاول الانقلاب على الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1974، وفشل، ورغم فشله فإنه وضع أسس منهجه الجهادى الذى يكفر الدول العربية والإسلامية وحكامها ومؤسساتها فى رسالته الأولى التى حملت اسم الإيمان.

وتلقت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد فكرة الجهاد ضد الحاكم المسلم، عبر تكفيره ومحاولة الانقلاب عليه ونجحت وقتها الجماعة الإسلامية بالتعاون مع عناصر من تنظيم الجهاد فى تدبير اغتيال الرئيس السادات فى 1981، ومع تدبير انقلاب على نظام الحكم، ونجح الاغتيال إلا أن الانقلاب فشل، وفى العام نفسه أخرج محمد عبدالسلام فرج أحد قيادات تنظيم الجهاد كتابه «الجهاد.. الفريضة الغائبة» الذى أصبح منهجاً للقاعدة وتنظيم «داعش» بعد ذلك، طرح فيه أن الجهاد فرض عين على كل المسلمين لكنهم أسقطوه وتناسوه ويجب إحياؤه إلا أن عدداً كبيراً من علماء الأزهر تصدوا لهذا الكتاب وردوا عليه وفندوه.

ومع الاحتلال السوفيتى لأفغانستان استقطب الجهاد فى أفغانستان العديد من الشباب الإسلامى من الدول العربية والإسلامية، ليتأسس بعد انتهاء الاحتلال السوفيتى لأفغانستان عام 1987 تنظيم القاعدة، وعقب ذلك سيطرت طالبان على أفغانستان، وغيرت القاعدة استراتيجيتها، لاستهداف الدول الغربية وبدأ الجهاد العالمى خارج أفغانستان.

وتناول تنظيم «داعش» الإرهابى الجهاد، وتطرف فيه حتى أصبح قتال المسلمين المخالفين له فى العقيدة حتى لو كانوا جهاديين مثله جهاداً، وأصبح كل من لا ينتمى لداعش حتى لو كان فى تنظيم القاعدة يجب قتاله وجهاده.

واعتمد تنظيم داعش فى رؤيته للجهاد على أمرين، تكفير الآخرين سواء كانوا كفاراً أصليين مولودين على الكفر، أو مسلمين مخالفين له، كما أنه وضع جهاداً ضد الأنظمة والجيوش العربية، باعتبارها من الطائفة الممتنعة التى امتنعت عن تطبيق شرع الله، وأصبح بالنسبة لداعش قتال المسلمين المخالفين له أو من يسميهم المرتدين أوجب عنده من قتال الكافر الأصلى.

وفى بيان سابق عن الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أوضح حقيقة الجهاد، وأن الجهاد فى الإسلام يعنى بذل المجهود فى سبيل الله، وأن جهاد الشيطان، وجهاد النفس، لا يقلان شأناً عن القتال، كما أن هناك جهاداً بالحجة والبرهان، وبالمال، وبالتَّصدى للفقر والجهل والمرض.

وأضاف: «لا يجوز مقاتلة الأعداء إلا إذا رفعوا السلاح، لقوله تعالى (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)، ولم يقل سبحانه (وقَاتِلوا فِى سبِيل اللَّه الَّذِين يخالفونكم فى الدِّين)، والجهاد بمعنى القتال تارةً يكون فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، كصلاة الجنازة، ويكون فرض عين، كالصلاة والصوم، وذلك إذا هجم العدوُّ على بلدٍ مسلمٍ ودخله، وأمعن فى القتل والتخريب والترهيب، فحينئذٍ يكون القتال واجباً على كلِّ فردٍ مكلَّفٍ من أفراد هذا البلد، لأنه أصبح أمام خطر داهم، وإذا كان للجهاد وزارة للدفاع ترتب أموره، ولديها محاربون مُدرَّبون على مواجهة العدو، فإنه فى هذه الحالة يكون فرض كفاية، فلا يجب على الجميع، وإنما على المدربين والمؤهلين لملاقاة العدو». ولفت إلى أنَّ إعلان الجهادِ وترتيب أموره خاصٌّ بولى الأمر ومَن يُنيبه، وبالمصطلحات الحديثة هو حق الحاكم على وزارة الدفاع، وقال: «لا يمكن فى عصرنا هذا إعلان الحرب خارج وزارة الدفاع أو خارج دائرة الحكم، ولا يجوز لأى شخص أو أى جماعة حركيَّة أنْ تُجيِّش جيشاً وتخرج عن هذا النطاق».

وتوضيحاً لمفهوم الجهاد، قال الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، إن الجهاد شرع فى الإسلام لرد الاعتداء، محذراً الشباب من الانخداع بأفكار الجماعات الإرهابية التى لا تعرف وطناً ولا ديناً.

وأضاف: «ما تمارسه الجماعات الإرهابية باسم الجهاد، إفساد للأرض، ولا يحق إعلان الجهاد تحت أى مسمى كان إلا عن طريق القائم بأمر الدولة ورئيسها».

وتابع: «الجماعات الإرهابية تأتى بمفاهيم مغلوطة للجهاد، لاستغلال الشباب، الأمر الذى يتصدى له الأزهر بوقوفه ضد أفكار الجماعات الإرهابية».

وقال الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن الجهاد فى الإسلام جهاد دفاعى، وليس هجومياً، بينما الإرهاب يقوم على إراقة الدماء وإتلاف الأموال وترويع المواطنين، وهو فكر الجماعات الإرهابية وفصائل العنف الذى استمر حتى الآن من أيام الخوارج.

وأكد «كريمة» أن الجماعات الإرهابية تستخدم مصطلح الجهاد، وتفرغه من مضمونه وشروطه وتضع له معنى مختلفاً يتناسب مع أهدافها التخريبية، ويخالف صحيح الإسلام، حيث تفرغ الجهاد من مضمونه الصحيح، بجهاد الدفع وجهاد دفع الصائل، لتضع مفهوماً آخر يتضمن قتال المسلمين وجهادهم، الأمر الذى تنبه له الأزهر وتصدى له حماية للشباب.


مواضيع متعلقة