صيام المدمن نوم بالنهار ومخدرات بالليل

كتب: أحمد العميد

صيام المدمن  نوم بالنهار ومخدرات بالليل

صيام المدمن نوم بالنهار ومخدرات بالليل

ربما ينظر الناس بسخرية لمجرد رؤية أحد المدمنين أو المتعاطين للمخدرات، وهو صائم فى نهار رمضان، رغم أن تظاهر المدمنين بالتديُّن أو الانضباط الأخلاقى والدينى مؤشر جيد على رغبتهم فى الإصلاح، وأن خطواتهم هذه تُعد مرحلة من مراحل الصراع النفسى الذى يعيشونها بين رغباتهم وهروبهم من الواقع باللجوء إلى المخدرات، وبين رغبتهم فى التديُّن والتصالح مع الله، بطريقة بعيدة عن التظاهر بالتديُّن أو النفاق -وفق خبراء نفسيين- والذين كشفوا عن أن ظاهرة صيام المتعاطين للمخدرات فى رمضان هى محاولة من المدمنين أو المتعاطين لإرضاء الذات والضمير، بعد صراع داخلى بين الواقع و«الأنا الأعلى»، أى الضمير الداخلى، مشيرين إلى أنه ليس كل متعاطى المخدرات مجرمين أو أصحاب سوابق، لكن تعاطيهم المواد المخدرة يكون محاولة منهم للهروب من الواقع الذى يعيشونه أو نتيجة سوء التربية التى رفضوا من خلالها الرضا بالواقع والالتزام الخلقى وضبط النفس، كما أنها تعد ظاهرة تحايلية على الواقع من خلال تعاطيهم المخدرات فى السر، والصيام فى العلن، أو حتى اللجوء إلى تعاطى المخدرات فى آخر دقائق قبل موعد الصيام والنوم طول نهار رمضان.

{long_qoute_1}

من جهته، يقول الدكتور عبدالحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، ووكيل نقابة الاجتماعيين، إن الذين يتعاطون المخدرات ويزعمون الصوم فى رمضان يعتبر تصرفهم غريباً على شخص يحاول أن يخاف من الناس أكثر من الله، فالناحية الاجتماعية تؤكد ذلك، فهو يتعاطى المخدرات فى السر، لكنه يصوم فى العلن، ومثل هذه الشخصيات تحتاج إلى تصحيح مفاهيم كاملة تحكم تصرفاته كإنسان، مشيراً إلى أنه وصل إلى نهاية «المسطرة» فى الانحراف، وهو يعلم أن المخدرات محرّمة شرعاً وقانوناً، لكنه لم يهتم ويحاول التظاهر الاجتماعى بالصيام والانضباط، وهو ما يُسمى الازدواجية فى المعايير وتطبيق القيم التى يعتقدها.

ويضيف الدكتور عبدالمنعم، استشارى طب نفسى وعلاج إدمان، أن من يتعاطون المخدرات ينقسمون إلى قسمين، الأول وهو المستخدم، ويتعاطى المخدرات على فترات، والثانى هو المدمن ويمثل شهر رمضان بالنسبة إلى المدمن خطورة، حيث يحدث خلاله فى بعض الأحيان انتكاسة، إن كان المتعاطى يحاول أن يُقلع عن تعاطى المخدرات بتقليل الكمية التى يتعاطاها، فقد تحدث له انتكاسة خلال هذا الشهر، ويلجأ المدمن إلى ممارسة حيلة لإيهام نفسه بالصيام وتأدية أحد أركان الإسلام الخمسة، فيقوم بتعاطى المخدرات قبل أذان الفجر بدقيقة واحدة، ثم يذهب إلى النوم ولا يستيقظ إلا بعد المغرب مباشرة، مشيراً إلى أن الكثير من متعاطى المخدرات يكذبون بشأن صيامهم فى رمضان، قائلاً: «أغلب الناس اللى بتاخد مخدرات وتقول إنها صايمة بتكون كذابة».

وتضيف الدكتور عفاف حسن، دكتور علم النفس بجامعة بنها، ورئيس وحدة الإرشاد النفسى بالجامعة، إن المتعاطين للمخدرات يلجأون إلى هذا الحال، فى محاولة منهم للهروب من الواقع المرير الذى يعيشونه ويرفضونه، وبدخول شهر رمضان الكريم بما يحتويه من أجواء روحانية تبعث الأمل والتديُّن فى النفس، يحدث لدى متعاطى المخدرات صراع بين الشعور واللاشعور وهو بين تصرفاته على أرض الواقع، والأنا الأعلى، وهو «الضمير» الذى يدفعه إلى الصيام، فى محاولة لإرضاء ضميره، متابعة: «اللى بيخليه يصوم إنه مش عايز يرتكب ذنوب، ويرضى ضميره، وهو نتيجة صراع بين الأنا المثالى والواقع».

وتشير رئيس وحدة الإرشاد النفسى بجامعة بنها، إلى أنه ليس كل من يتعاطون المخدرات مجرمين وأرباب السوابق، بل الكثير منهم يتعاطون هذه المواد المخدّرة وفقاً لظروف حياتهم الصعبة أو سوء التربية، وتندرج تحت الهروب من الواقع فى كل حالاتها، والكثير منهم لديه شعور بتأنيب الضمير فى الكثير من الأحيان، وهو يشبه فى هذه الحالة اللص الذى يسرق ويمتنع عن سرقة الفقراء والمحتاجين لأن ضميره يوقظه فى هذه الأوقات لمعرفته بحاجة هؤلاء إلى الرعاية وليس السرقة أو التعرُّض للمزيد من المحن والمصائب، مضيفة أن المتعاطين للمخدرات الذين يتناولونها قبل الفجر بدقائق، ثم النوم طوال ساعات الصيام أكبر دليل على هروبه من الواقع، حيث أصبح لديه فى هذه الحالة هروبان، الهروب الأول بتعاطى المخدرات طوال فترة الإفطار من المغرب إلى الفجر، والثانى النوم طوال ساعات الصيام.

وقالت الدكتورة هدى زكريا، الطبيبة النفسية، إن ظاهرة إصرار المدمنين أو المتعاطين للمخدرات على الصيام، ظاهرة صحية بالنسبة إليهم وليست سلبية، حيث يُعد اتجاههم إلى الصيام رغم تعاطيهم المخدرات إحدى سمات تديّنهم، وهو ما يعود عليهم بالنفع العلاجى من الإدمان، لأنه يكون بمثابة تدريب لهم أو اختبار لإرادتهم ورغبتهم فى القيام بالأعمال الطيبة والصالحة، متابعة: «الناس متدينة بطبعها وترتكب أخطاءً وتكون ضعيفة أمام الأشياء الضارة، ودخولهم فى الصيام يكون بمثابة دخول فى صراع بين ما اعتادوا عليه، ورغبتهم فى التديُّن والضمير»، لافتة إلى أن من ينظر إليهم نظرة سيئة يكون قاسياً عليهم حتى لو كان يصوم أو يحاول الصيام وهو مدمن للمواد المخدرة أو يتعاطاها، لأن الحكم لله وليس للأفراد.

وتضيف «زكريا» أن السخرية من خطوة الصيام التى يقبل عليها المدمنون ومتعاطو المخدرات شىء خاطئ، فلا أحد يدرى من تُقبل منه الأعمال الصالحة، ومن يدخل الجنة، ومن يدخل النار، مشيرة إلى أن الحاكم هو الله وليس العباد، بل إن تشجيع هؤلاء على الصيام الصحيح والابتعاد عنه أفضل من السخرية منه أو إحباطه، موضحة أن الصيام الذى يحاول المدمنون والمتعاطون للمخدرات القيام به فى شهر رمضان يشبه إلى حد كبير خطوات علاجية يقوم بها أطباء علم النفس، للإقلاع عن المخدرات وعلاج الإدمان، ويُعد الصيام بداية جيدة ومبشّرة للمدمنين ومتعاطى المخدرات ومؤشراً على إرادتهم القادرة على الإقلاع عن تعاطى المخدرات.


مواضيع متعلقة