الأمر بالمعروف: رسالة «الحاكم والرعية»

كتب: سعيد حجازى

الأمر بالمعروف: رسالة «الحاكم والرعية»

الأمر بالمعروف: رسالة «الحاكم والرعية»

 

مثلت رسالة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» قِبلة التيارات الإسلامية المتشددة خلال القرون الماضية لتنفيذ سطوتها على المسلمين، فخلال حكم الإخوان لمصر ظهرت دعوات إنشاء تلك الهيئة على يد أنصار الجماعة، بقيادة الشيخ هشام العشرى، كما دعا إليها سلفية الإسكندرية، وأعلن عدد من شباب التيار السلفى تأسيس حملة جديدة تعرف باسم «حماة الإسلام» تهدف لفرض ما يسمونه الرقابة الشعبية الدينية على الظواهر الاجتماعية، على غرار هيئة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» بالسعودية.

{long_qoute_1}

فى دراسة بالمركز العربى للبحوث، أعدها الباحث هانى سليمان أكد أن دعوات إنشاء الهيئة لم تكن فى عهد الإخوان فقط، فقد سبق للداعية الإسلامى الشيخ يوسف البدرى أن حاول الأمر ودعا بنفسه فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وتم منعه وسجنه لمدة عام، ثم عاد وفتح النقاش حولها خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك عندما قدم مشروعاً لإنشاء وزارة الحسبة، يكون عملها ومهمتها شبيهاً بهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكن ظل اقتراحه مجرد حبر على الورق ليس أكثر، فالفكرة مرفوضة مجتمعياً، بحسب الدراسة، مضيفاً «كانت الدعوات مرفوضة سياسياً؛ لأن المجتمع المصرى متدين بطبعه، ولديه نزعة ذاتية للفظ القيم والعادات الدخيلة عليه، وفى الوقت نفسه فهو لا يقبل بأية سلطة دينية فارضة ومقيدة لحرياته، وهو ما ظهر جلياً فى الرفض القاطع ونبذ تصرفات هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ورفض الفكرة جملة وتفصيلاً».

وشهد الشارع المصرى العديد من الأحداث المفزعة تم نسبها لتلك التحركات المتشددة.

وكان لمجمع البحوث الإسلامية رأيه فى إنشاء تلك الهيئة، فأكد فى تصريحات له أن هذه المهمة الشرعية يحددها القانون، وتؤكدها المسيرة التاريخية للأزهر وأداؤه المستمر لهذه الرسالة عبر أكثر من ألف عام، وأن إنشاء هذه الهيئة يعد خروجاً وافتئاتاً على دوره ودور الدولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، ومن ثم يرفض الأزهر إنشاء أية هيئات تزاحمه فى رسالته الدينية والدعوية، ويدعو الكافة إلى مراعاة ذلك. {left_qoute_1}

لا تختص فريضة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» بمجال من المجالات، بل هو شامل لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم وقيم، فهو شامل للتصورات والمبادئ التى تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية، فقال الإمام الحسين «بدأ الله بالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها؛ وذلك أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم، وقسمة الفىء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها، ووضعها فى حقها»، كما ظهرت تلك الفريضة فى وصية النبى «صلى الله عليه وسلم» لمعاذ بن جبل حينما ولاّه على أحد البلدان: يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة، وأنزل الناس منازلهم، خيّرهم وشرهم، وأنفذ فيهم أمر الله، وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام، وأظهر أمر الإسلام كلّه، صغيره وكبيره، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، وذكّر الناس بالله واليوم الآخر واتبع الموعظة».

اعتمد البعض على الآيات القرآنية فى إثبات الوجوب لتلك الفريضة، وذلك بقول الله تعالى «وَلتكُن مِنكُم أُمّة يَدعُونَ إلى الخَيرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وأُولئك هُمُ المفلحِونَ»، لكن علماء مذهب أهل السنة والجماعة اختلفوا فى ما يسمى فقه الحسبة، فانقسم العلماء إلى ثلاثة فرق، الفريق الأول يرى أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض عين.

أما الفريق الثانى فيرى أنه فرض كفاية، ويرجح الكثير من علماء السنة هذا الرأى، حيث يعتقدون أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقينً. ويجمع أصحاب الفريق الثالث بين الفريقين السابقين بحيث يعتقدون أنه فرض عين إذا اتفقنا أن الإنكار يتم بجميع صوره، ومنها الإنكار بالقلب كل بحسب قدرته واستطاعته.

وقال الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، لـ«الوطن»: فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عمل الجميع، فالفرد والدولة مسئولان عن ذلك، لكن الشكل والطريقة تختلف، فالرسول «صلى الله عليه وسلم» قال «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فالنبى أمرنا بذلك، فالفرد يستطيع ذلك من خلال اليد كالفرد بالنسبة لأبنائه، ورئيس العمل بالنسبة لمرؤوسيه فإن لم يكن هناك سلطة، فيكون باللسان بالنهى عن المنكر والأمر بالمعروف، فمن لم يستطع فبقلبه.

وأضاف: الله عز وجل قال فى كتابه «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، فالنهى عن المنكر لا يكون بالقتل والذبح والجلد، فالسنة الشريفة حددت مراتب النهى عن المنكر وتغييره، وأنها تبدأ أولاً باليد ثم باللسان ثم بالقلب، وقال الدكتور عبدالله رشدى، الباحث الشرعى فى الأزهر الشريف، إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن الله عز وجل قال فى كتابه «وَلتكُن مِنكُم أُمّة يَدعُونَ إلى الخَيرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وأُولئك هُمُ المفلحِونَ»، فالأمر عن المعروف والنهى عن المنكر رسالة الأمة الإسلامية كلها، لكن له أنواع، فإذا كان بالقوة والتغيير المادى الملموس من قبل الفرد فهو مرفوض، بل هو للحاكم والرئيس والسلطة المخولة من الحاكم، لكن إنكار المنكر بالكلمة الحسنة ونصيحة بين المسلمين، فهذا حق وواجب لكل مسلم وعلى كل مسلم، لأن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قال «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وأكد رشدى أن هناك إنكار المنكر بالقلب، وهو حينما لا أستطيع أن أنصح من أمامى بغير ذلك بأن يكون سائحاً أو يأتى بعض المنكرات كشرب الخمر وغيرها، فأنكر ذلك بقلبى وأكره بقلبى، أما التغيير المادى فهذا أمر للحاكم خاص به ولا يجوز لجماعة ما أن تقوم بهذا الأمر، فهو مخول للحاكم فقط والسلطة التى تنوب عنه».


مواضيع متعلقة