«زرزارة».. الاسم الأصلى لـ«خلاط الفقراء»

كتب: أحمد الليثى

«زرزارة».. الاسم الأصلى لـ«خلاط الفقراء»

«زرزارة».. الاسم الأصلى لـ«خلاط الفقراء»

فئران فى حجم الرُضع، مياه صرف تختلط بروث البهائم، جبال من القمامة، عدد لا بأس به من الكلاب المسعورة يزاحم أهل المكان فى معيشتهم، هنا عشوائية «زرزارة» فى بورسعيد. «الرش بيموتنا والناموس بيزيد والمجارى بنسلكها بإيدينا عشان ما تدخلش العشش».. تتحدث «زينب إبراهيم» التى أصيبت أصابعها بتليف بسبب «نزحها» مياه الصرف الصحى، السيدة الأربعينية حُرقت «عشتها» مرتين من قبل؛ تسببت إحداهما فى تشوه معظم جسدها، ولا ترجو من ربها سوى أن تتسلم شقتها الجديدة التى وعدتها بها المحافظة قبل رمضان المقبل «عشان نعرف نصوم بس والله». جدران العشش قطع مكسرة من خشب «الأبلكاش» وحصير مهترئ وبعض أجزاء من «المشمع»، وأرضيتها مفروشة بالتراب المختلط بمياه الصرف. شقق المحافظة ذات الـ53 مترا، وهى على بعد خطوات من العشش التى تقطنها «زينب» وجيرانها منذ عشرة أعوام، لا يعتبرها أبوعماد «منحة» من الدولة، فهى حقه وحق الغلابة المعصورين فى «خلاط الفقر»، ويعارض صاحب اللحية الكثة والجلباب الأبيض، أهل المكان فى تمجيدهم للمحافظ الذى استجاب لمطالبهم بتسليمهم عقود الشقق معللا ذلك بأن هذا عمله: «هو ماعملش فوق الطبيعى». «الحكومة ما بتجيش غير على الغلبان»، هكذا ترى «رشا»،20 عاما، حال الدولة قبل الثورة وبعدها.. الثورة التى راح ضحيتها «محمود جمال» ابن «زرزارة»، المعلقة صورته على أطراف المكان. على مساحة 27 فدانا أقيمت 1684 «عشة» يقطن كل منها من 4 إلى 10 أفراد، فى أول المكان يطالعك مقهى صغير أشبه بـ«غرزة بلدى» يجلس فيه رجال «العشوائية» طيلة النهار، عسى أن ينسيهم دخان «الحشيش» هموم الزمن ومراراته. «يا بتوع زرزارة» تحكى «سلمى» ابنة السنوات العشر، ذات الوجه البشوش، عن الجملة التى أغضبتها بعد أن عيرها بها زملاؤها فى الفصل. أما «أبلة عبير»- 25 سنة- فتروى بوجه شاحب عن طفلها الذى توفى فور ولادته بانسداد فى الرئة بسبب تلوث المكان، تنظر إلى ابنتها الصغيرة الواقفة بين ذراعيها معلنة أن حلمها الوحيد فى الدنيا هو قبول تلك الطفلة البريئة فى مدرسة جيدة لا ترفضها وسط صفوفها كونها من «زرزارة». بكف رقيق وشعر ذهبى يضاهى ضوء الشمس تلعب «منة» مع عيال العشش أمام منزلها الضيق، الطفلة التى لم تتخط أربعة أعوام تضحك غير مبالية بأطنان القمامة ومياه المجارى والهواء الملوث، غير أن سببا وحيدا يجعلها تتمنى مغادرة المكان، هو «الناموسة اللى بتقرصنى وأنا نايمة».