المشرد فى حياته.. شريد فى مماته «لا دفنة ولا جنازة ولا أهل»

كتب: رحاب لؤى

المشرد فى حياته.. شريد فى مماته «لا دفنة ولا جنازة ولا أهل»

المشرد فى حياته.. شريد فى مماته «لا دفنة ولا جنازة ولا أهل»

حياة صعبة عامرة بالطين والحشرات والمعاناة، يعيشها عدد غير معلوم من المشردين المسنين فى شوارع مصر، تتعاقب عليهم الفصول، تنهش فى أجسادهم المريضة بالضرورة، تختفى المعانى بالنسبة لهم بالكامل، فالشتاء لا يعنى وجبة ساخنة وفراش دافئ لمسن فى أواخر أيامه، والغرغرينا لا تعد سبباً كافياً للعلاج، والموت ليس مبرراً للدفن.

{long_qoute_1}

فى ديسمبر من العام الماضى، وجد أسامة محمد نفسه أمام إشكالية وجودية حقيقية فى مستشفى كفر الشيخ العام، بدأ كل شىء مع الموظف الحكومى حين علم بوفاة حالة مجهولة بالدور الرابع فى المستشفى، حاول أن يعرف أكثر عن الرجل ليكتشف حضوره إلى المستشفى قبل خمسة أيام من وفاته، حيث قضى معظم الوقت فى عناية المخ والأعصاب، ليخرج أخيراً إلى عنبر الرعاية المجاور للعناية المركزة، دقائق معدودة فتح خلالها الرجل عينيه وقال «اسمى سالم».

لم يتمكن موظفو المستشفى ومعهم «أسامة» أن يعرفوا عن الرجل أكثر مما قال «تم عمل المحضر اللازم لذلك وإيداعه فى ثلاجة حفظ الموتى بمشرحة مستشفى كفرالشيخ العام تحت تصرف النيابة العامة»، لم يجد الرجل حلاً سوى التقاط صورة للمتوفى ومحاولة نشرها لعل وعسى يصل إلى أهله ويتمكن من دفنه، مسألة استغرقت أياماً طويلة قبل أن تقرر النيابة دفن الرجل أخيراً، يروى أسامة «الموضوع ده بيتكرر كتير، وأغلب الوقت مابنوصلش لأهله وبيفضل الميت فى المشرحة لحد ما النيابة تقرر دفنه لعدم الاستدلال على أهله، أهل الخير بيعملوا كل اللى يقدروا عليه عشان يوصلوا لأهله لكن مفيش فايدة، بيتكرر نفس السيناريو ويفضل المرحوم فى التلاجة لحد ما النيابة تلاقى مفيش فايدة وتقرر تدفنه، معظمهم مش معاه بطاقة أو أى ورق رسمى يساعد فى الوصول لأهله وبينتهى بيهم الحال فى مدافن الصدقة».

{long_qoute_2}

«لما يبان له صاحب» هذا هو المبدأ الذى تتعامل به الحكومة وكافة الجهات الرسمية مع المشرد حال وفاته، حالة شريد كفر الشيخ تتكرر يومياً بصور مختلفة وأكثر قسوة، محمد سامى، الشاب الثلاثينى الذى يخصص أغلب وقته لإنقاذ المشردين المسنين من الشوارع، ضمن دار «معانا» لإنقاذ المشردين المسنين، ورده اتصال قبل عدة أشهر ببلاغ يفيد بوجود مسن مريض للغاية بإحدى المناطق الشعبية، ذهب الشاب لإنقاذه، لكنه فوجئ بأهل المنطقة يبلغون الشرطة «تخيلوا إنى رايح أسرق أعضاء الراجل، سابوه مرمى قدامهم بالشهور ولما حد حاول ينقذه اتحركوا» رد فعل بدا غريباً خاصة بعدما استمرت عملية استجوابه ست ساعات «جاوبتهم وقتها عن كل حاجة طلبوها، وعرفتهم إنى هاخد الراجل أنقله الدار أحميه وألبسه وأديله أدويته، مع ذلك لقيت رفض غريب إنى آخده، هنا كان عليا وعلى أعدائى وبدأت أدخل فى عند، قلت لهم طيب الراجل ده حرامى وسارق فلوسى دخلنى السجن أنا وهو بقى، استغربوا كلامى» الموقف الذى لن ينساه «محمد» حدث بالكامل فى فصل الشتاء، لم يكد الشاب يصدق نفسه لفرط التناقض الذى يحمله الموقف «يعنى الناس والشرطة استغربوا إنى جاى آخده، وماستغربوش من المطرة والطينة والراجل اللى عنده جرح بشع فى رجله الكلاب بتلحس فيها، خلونى وصلت لمرحلة إنى يا آخده أنقذه يا أدخل السجن معاه ويبقى فى عهدتهم وتحت مسئوليتهم» حالة من الإصرار انتهت بالاستجابة.

{long_qoute_3}

معاناة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة فى محاولة تحرير محضر «إثبات حالة» للمشرد الذى لا يملك بيانات، يقول محمد «حاولت أقنعهم بعمل محضر إثبات حالة يثبت إنى أخدت الراجل وإنه تم العثور على شخص بمواصفات معينة بدون جدوى، ردوا عليا وقتها إنه مش معاه بطاقة وبالتالى هيكتبوا إيه فى المحضر؟».

تأمل «محمد» كثيراً فى الموقف وتساءل: «لماذا لا يعاملونه معاملة المتوفى؟ لماذا لا يثبتون فى محضر واضح أن ثمة شخصاً توجه إلينا يدعى كذا وعثر على شخص هيئته كذا وأخذه إلى مكان كذا، ويأخذوا بصمته ويبدأون فى البحث عن أهله للعثور عليهم، كى يستردوه أو يدفنوه إذا مات» أفكار اكتشف «محمد» مدى أهميتها بعد فترة وجيزة.

نجح وقتها فى إنقاذ الرجل بالدار «استحمى ونام، وتانى يوم كان بيرجّع دم، ماكانش فى حد يبص عليه، أخدته لمستشفى أم المصريين قعد هناك أسبوعين، واليوم اللى كنت رايح آخده عشان اتكتب له على إذن خروج، وكان اتحسن وبيدعى ربنا وبيعيط، مات.. الراجل فضل ساكت من أول ما شفته لحد قبل ما يموت بفترة بسيطة، الجملة الوحيدة اللى نطقها: أنا نفسى أخف، لكن ملحقش، ومات».

لم تنته فصول المعاناة عند الوفاة، القصة بالكامل بدأت من داخل ثلاجة مستشفى أم المصريين «تخيلت إنى ممكن أدفنه بسهولة، كانت أول مرة أمر بموقف مشابه، رحت قلت لهم فى التلاجة عاوز أدفنه قالوا لى مالكش تدفنه، قلت لهم أنا اللى جايبه دخّلته على مسئوليتى وببطاقتى وأنا اللى عاوز أدفنه، لكن اتصدمت لما قالوا لى ماينفعش تدفنه عشان مش أهليته».

سلسلة طويلة من الـ«دوخة» والـ«توهان» دخلها «محمد» حيث بدأت رحلته الطويلة بين قسم الشرطة والنيابة والمستشفى «روح القسم وقل لهم إن فى واحد مات واحكى لهم إنك عاوز تدفنه على مسئوليتك، إكراماً للميت» صدقهم «محمد» وبالفعل توجه إلى قسم الشرطة ليروى القصة كاملة ليخبروه أن هذا خارج دائرة اختصاصاتهم «انت ترجع المستشفى عشان يطلعوا تقرير وفاة»، يقول «أرجع المستشفى أطلب التقرير يقولوا لى النيابة هى اللى بتطلع التقرير روح اطلبه منهم ومن هنا لهنا للصحة، 6 أيام متواصلة مشواير عشان أوصل لأى شىء بدون جدوى» لم تنته «الدوخة» إلا بجلسة مصارحة مع وكيل نيابة «قالى بص لو ده والدى، أنا هاتمنى أدفنه فى المقابر بتاعة عائلتنا، لذلك لازم نوصله لأهله عشان يدفنوه، الحل الوحيد عمل فيش جنائى للراجل المتوفى، ونصوره ونبعت الصور للأقسام والمديريات، ولو ظهر له قرايب يستلموه ويشوفوه ويسلموا الإثبات، ويدفن.. الحق أحق أن يتبع» كلمات بدت مقنعة لكن «محمد» حاول أن يقترح «طيب ما ندفنه وناخد صورته وبصماته ولما حد من أهله يتعرف عليه نعرفه مكانه وينقلوا الجثة براحتهم، المهم الإجراءات تكمل وندخل الراجل قبره، إكرام الميت دفنه» لكن لم يبد أن هذا غير فى الأمر شيئاً.

92 يوماً كاملة قضاها الرجل الذى أطلق عليه محمد «عم سيد» فى ثلاجة أم المصريين، مرت ثقيلة للغاية على الشاب وزملائه بالدار «ماسيبناش حد أو مكان ماحاولناش نعمل فيه حاجة، كلمنا طوب الأرض عشان يتوسطوا ويخلوا النيابة تأمر بدفن الراجل، فى النهاية الموضوع مانتهاش غير بشخصية كبيرة اتدخلت عشان الراجل يتدفن». إنهاك نفسى وعصبى كبير تعرض له محمد «يعنى الناس دى تعيش طول عمرها متبهدلة وحتى الموت مايبقاش راحة ليهم، يعنى إيه ميت يفضل كل الأيام دى فى تلاجة مستشفى؟! ليه مايطلعش قانون أن أى مشرد يتاخد ويتعمله بصمات ويتعرف صورته ومكانه ويتحط فى دار ولا حتى يرجع الشارع، عشان أهله يتعرفوا عليه وهو حى، والمتطوعين هايقوموا بالواجب، مش أول مرة ولا هتكون آخر مرة». إجراءات تعطى أهمية كبرى للأهل، لا يراها «محمد» ذات جدوى «أهله لو فعلاً عاوزينه كانوا دوروا عليه» يذكر الشاب تجربة لمشرد يدعى «عبدالناصر» كان نفس المأساة، «لما مات أهله ماجوش ياخدوه فضلنا ندور عليهم عشان يدفنوه محدش منهم دخل الجامع يصلى عليه، كان بيتصل بيهم قبل ما يموت عشان يشوفهم مايجوش، ولما مات استلموه بالعافية ده حال أى حد بيموت فى الشارع».

«عندنا إشكالية كبيرة جداً تتعلق بمجهولى الهوية المتوفين، حيث لا آليات واضحة للتعرف عليهم أو لتوصيلهم بأهلهم، يظل الميت رهن الثلاجة وتظل العائلة فى حالة من التوهان وكثيراً ما لا تصل إلى أى شىء فى النهاية» يتحدث محسن بهنسى، المحامى بالنقض، وعضو الأمانة العامة للجنة تقصى الحقائق المصرية التى شُكلت للتحقيق فى أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير لعام 2011، الرجل الذى عاصر عشرات التجارب لمفقودين مجهولى الهوية، راصداً معاناة كل من الأهل والميت نفسه، يقول «المسألة لا تتعلق بمشردين مسنين فقط، الأمر يمتد إلى أطفال الشوارع والمختلين عقلياً الهائمين، والمفقودين فى الثورات والتظاهرات».

أربع سنوات هى المدة القانونية التى تستطيع بعدها عائلة المفقود استخراج شهادة وفاة أما المدة التى يبقى خلالها الميت بلا دفن فتخضع لتقدير النيابة «ليس لدينا أكواد لتعريف الشخص المتوفى، لا يوجد سحب لعينة دى إن إيه، لا بصمات ولا قوانين تتيح التعامل بأقل قدر من الإنسانية مع الراحلين، لا حق للمتوفى ولا حق لعائلته، نتحدث عن إجراءات غاية فى البشاعة وانعدام الإنسانية» يتساءل المحامى الشهير لماذا لا تتم الاستعانة بالصور بدلاً من الجثث نفسها «كيف يمكن لعائلة مفقود أن تدخل المشرحة وتتفحص وجوه الجثث واحدة تلو الأخرى بحثاً عن فقيدهم، أى قدرات نفسية وأى استطاعة لدى الشخص على ذلك، الحل فى بعض التكنولوجيا وبعض الربط بين الثلاجات والمشارح، وأقسام الشرطة، وتفعيل البصمة الوراثية لحظة الولادة لتسهيل توصيل المفقودين ببعضهم دون عناء أو جهد، لكنه لا يوجد تعديل تشريعى حقيقى وستظل قضايا المفقودين فى مصر كابوساً للجميع، لا يحظى الميت معها بأقل ما يمكن أن نقدمه له وهو الدفن».


مواضيع متعلقة