«الخلافة»: «وهم» المتاجرين بالدين للوصول إلى الحكم

كتب: محمد كامل

«الخلافة»: «وهم» المتاجرين بالدين للوصول إلى الحكم

«الخلافة»: «وهم» المتاجرين بالدين للوصول إلى الحكم

الخلافة أحد أنظمة الحكم فى الإسلام، ضمن أنظمة حكم متنوعة، وليست طريقاً واحداً مرسوماً ومحدداً كما يظن الكثير؛ إذ بدأ مفهوم الخلافة عقب وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، وظهور مشكلة من الذى يخلفه فى تسيير أمور المسلمين ودولتهم الوليدة فى المدينة المنورة وشبه جزيرة العرب.

{long_qoute_1}

لم يترك النبى (صلى الله عليه وسلم) نصاً صريحاً باسم من يخلفه، يتفق فى ذلك غالبية المسلمين أو المسلمين السنة، عكس الشيعة، الذين يقولون إن النبى (صلى الله عليه وسلم) أوصى بالخلافة أو «الإمامة» حسب المصطلح الشيعى إلى ابن عمه على بن أبى طالب، كرم الله وجهه.

وجاء خلفاء النبى (صلى الله عليه وسلم) المشهورون بالخلفاء الراشدين، وهم أبوبكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، بطرق مختلفة تباينت فيما بينها، فجاء اختيار الخليفة الأول، أبوبكر الصديق عن طريق أهل الحل والعقد من أهل المدينة المنورة، أعقبه بيعة جميع المسلمين له، وأعقبه فى الخلافة عمر بن الخطاب ليكون خليفة أبى بكر أو خليفة خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأطلق عليه المسلمون وقتها لقب أمير المؤمنين، ليكون أول من يلقب بهذا الاسم، وتولى عمر بن الخطاب، أمور المسلمين وخلافتهم، بالتعيين المباشر والتزكية من قبل أبوبكر الصديق رضى الله عنه.

وبعد تعرض الفاروق لطعنة أبولؤلؤة المجوسى، وقبل وفاته أقر طريقة ثالثة لاختيار الخليفة، تختلف عن طريقة اختيار أبى بكر عبر أهل الحل والعقد، واختيار عمر نفسه بالتعيين والتزكية من قبل أبى بكر، إذ طرح ستة من الصحابة المبشرين بالجنة، هم: عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، رضى الله عنهم، يختار منهم المسلمون، ويأتى على ذلك عثمان بن عفان، الخليفة الثالث، ويعقبه على بن أبى طالب عبر طريقة رابعة مغايرة، هى اتفاق أهل الحل والعقد وعوام الناس على مبايعته خليفة. {left_qoute_1}

أعقب تلك المرحلة الصراع الذى حدث بين على بن أبى طالب من جانب ومعاوية بن أبى سفيان، الذى انتهى بمقتل على بن أبى طالب على يد عبدالرحمن بن ملجم، أحد عناصر الخوارج وقتها، تولى الحكم معاوية بن أبى سفيان ليبدأ نظاماً جديداً فى «الحكم» أو الخلافة، هو انتقالها عن طريق التوريث وتحديد ولى للعهد ليظهر نظام الخلافة كنظام ملكى، رغم عدم استخدام اسم الملك والاكتفاء باسم الخليفة، واستمر الأمر كذلك حتى انتهاء الدولة الأموية، وبزوغ الدولة العباسية، وتولى العباسيون الخلافة، ولم يختلف الأمر بالنسبة لهم عن بنى أمية إلا أن نظام الحكم تطور فى النصف الثانى من الدولة العباسية، حينما ضعف الخليفة العباسى فى بغداد وظهرت الدول فى بلاد المسلمين، التى يحكمها فعلياً أمراء منفصلون عن الخلافة العباسية، ولا يدينون للخليفة إلا بالاسم والدعاء فقط، ليتحول الخليفة إلى شبيه بملك يملك ولا يحكم.

ومن ضمن الدول القوية التى ظهرت واستقلت عن الخلافة فعلياً الدولة الأيوبية التى أسسها صلاح الدين الأيوبى فى مصر والبلدان المحيطة بها، التى ورثتها دولة المماليك، لتأتى الخلافة العثمانية لتنهى دولة المماليك وتبدأ خلافة عثمانية من غير العرب، تنتهى بعد الحرب العالمية الأولى وخسارة الخلافة العثمانية الحرب، ليعلن مصطفى كمال أتاتورك انتهاء الخلافة العثمانية عام 1924.

مع ظهور حركات الإسلام السياسى بداية من الإخوان المسلمين عام 1928 بدأت تلك الجماعات إحياء مفهوم الخلافة من جديد، وجعلت جماعات الإسلام السياسى، والجماعات المتطرفة من الخلافة محور أفكارهم وأعمالهم، وعليها يقاتلون ويخاصمون، بدءاً من تنظيم الإخوان، وصولاً لتنظيم «داعش» الإرهابى.

مع بداية تأسيس الإخوان وضع مؤسسها حسن البنا الخلافة العمود الفقرى لذلك التنظيم، وقال فى رسالة المؤتمر الخامس التى حملت عنوان «الإخوان المسلمون والخلافة»: «الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فى أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام فى دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر فى شأنها على النظر فى تجهيز النبى صلى الله عليه وسلم ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها، والأحاديث التى وردت فى وجوب نصب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها، لا تدع مجالاً للشك فى أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير فى أمر خلافتهم منذ خرجت عن منهاجها، ثم ألغيت بتاتاً إلى الآن، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها فى رأس منهاجهم».

لم يختلف فكر الإخوان عن فكر تنظيم داعش الإرهابى، الذى أعلن زعيمه أبوبكر البغدادى تنصيب نفسه خليفة للمسلمين فى 29 يونيو 2014، وطالب جميع المسلمين بضرورة مبايعته وجعلها أصلاً من أصول الدين، يحارب عليه ويكفر به المخالف ويستحل دمه.

توسع تنظيم داعش فى مفهوم الخلافة، مروجاً بأن خلافته هى الخلافة الراشدة التى أخبر عنها النبى (صلى الله عليه وسلم) فى الحديث: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، مطالباً جميع المسلمين ببيعته ومطالباً الشباب بالتزام منهجه والنفير إليه.

وفى فتوى سابقة له، أكد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أن مسألة الخلافة أو الإمامة ليست من أصول الدين أو من أصول الاعتقاد والإيمان، بل هى مسألة عملية تنظيمية بحتة، محل بحثها الأحكام العملية فى الفقه.

الدكتور محمد القاضى، عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية، قال إن الخلافة ليست ركناً من أركان الإيمان عند أهل السنة، وهى عند العلماء مبحث مهم وهى من الشريعة، لكنها ليست من أركان الإيمان وهدفها إقامة الدين والدنيا، ولها هيئة كاملة وأخرى ناقصة، ولم تطبق كاملة إلا فى أوقات قليلة فى التاريخ الإسلامى كله، ومن شروطها حكم بلاد الإسلام بالكامل، وفى عهد الخلافة العباسية الأولى، التى تعد أقوى فترة للخلافة وأكثرها انتشاراً كانت هناك أراض إسلامية لا تخضع للحكم العباسى مثل الأندلس، والخلافة لا يمكن أن تطبق فى عصرنا الحالى.

وقال الشيخ نبيل نعيم، مؤسس تنظيم الجهاد، إن محاولات جماعات تيار الإسلام السياسى استغلال الخلافة، أمر باطل شرعاً، يؤكد أنهم يشابهون الخوارج الذين قتلوا الصحابة والمسلمين، وحتى إذا اقتربوا منها كانوا أبعد الناس عن تنفيذ الدين، كالإخوان الذين ادعوا أنهم يعملون للخلافة لأكثر من 80 عاماً، ومع توليهم الحكم فى مصر كانوا أبعد الناس عن الدين والإسلام.

وأضاف: «الخلافة الراشدة التى بشر بها النبى (صلى الله عليه وسلم) فى آخر الزمان، مع ظهور العلامات الكبرى وليست فى زماننا هذا».

وأوضح فؤاد الدواليبى، أحد مؤسسى الجماعة الإسلامية، أن نظام الخلافة الذى تطالب به وتروج له جماعات الإسلام السياسى لا يمكن تطبيقه حالياً وليس من أصول الدين، ويمكن الاستعاضة عنه بأشكال مختلفة منها: وجود وحدة اقتصادية بين الدول الإسلامية أو اتحاد كونفيدرالى أو غير ذلك من أشكال الوحدة الحديثة.

 


مواضيع متعلقة