سيف السلطان وجلاده، فى لغة حكايات الأطفال يسمى "كبير البصاصين"، لكن فى وطن آخر، تصبح أسرار الناس وسيلة "ضغط"، زرع الكاميرات "حماية"، تسجيل الأنفاس "ضرورة"، والقمع والجلد والتنكيل مقتضيات للأمن العام.
يجلس منفردا فى الزنزانة، كل رفاق الدرب خرجوا للنور، وحده ووزير الدرك والسلطان، يتذكر يوم تخرج من كلية الشرطة، فى ذاك العام، وقبل حرب أكتوبر بعامين، وضعت أول نجمة على كتفيه، أقسم سرا ألا يترك بابا يحمله للقمة إلا طرقه، يبدأ عمله فى إدارة البحث الجنائي، ثم يُنقل - لرضا قادته - إلى المرتبة الأعلى، أصحاب الكعب العالي، أمن الدولة، ويصير قريبا من باب القصر، حتى يختاره من يقطن فى الجهة الأخري، من ذات السجن، من يحمل أصفادا موصومة بالقتل وحكما بالسجن مؤبد، يختاره رئيسا لجهاز أمن الدولة، ولتبدأ فى ذات العام2004، مرحلة أخرى من قمع الشعب وتكميم الأفواه.
فى الخارج يجلس سجانً يقرأ فى لغةٍ متمعنةٍ ما كتب اليمني عبدالحكيم الفقيه:
يبدأ الفجر من صرخةٍ في الطريق
الخناجر تطرد أتربة الصمت
تبدأ أنشودة الاحتجاج
الشوارع مزدانة بالهتاف
والجنود سدى يحرسون النظام الزجاج
الهراوات أكثر من عدد الغاضبين
يتعجب فى داخل نفسه كيف تهاوى النظام العتيق: المعارضة مقموعة، والبرلمان منتقى بعناية، والأحزاب وضعنا على رؤسها رجالنا الأوفياء، وبين الفينة والأخري نلهى الرأى العام فى قضية نجيد حبكتها حتى "تتبعها الرادفة"، تحمّل ملفات كثيرة لم تكن مسؤوليته بالأساس، فصار يؤدي مهاما بعيدة إلى حد كبير عن مسماه، حتى أنه قرر تغيير الاسم من "قطاع أمن الدولة" إلى "جهاز أمن الدولة" تشبها بجهاز المخابرات، فبحسبه فإن ما يبذله ورجاله جعله بالفعل جهة مخابراتية مستقلة تعمل أيضا لصالح النظام البوليسي.
لم يكن ليتصور أن مقتل ذاك الشاب السلفى المدعو سيد بلال أثناء التحقيق معه علي خلفية حادث تفجير كنيسة القديسين سوف يكون نهاية ملكه، ضباطه يعطونه "التمام" :مؤامرة أجنبية تحاك ضد النظام، فالشعب لن يثور ابدا، لا يجرؤ يوما على الغضب مادامت قبضتنا محكومة، لكن هدير الثوار يقترب، لم يتركوا مقرا إلا طافوا به، يريدون الفتك بمن فيه..ييتخلله الخوف، يتلو السجان:
يرتعد الجند
والملصقات تلطخ أحذية الثائرين
وكان صدى الشعب أقوى من الطلقات
يقترب الثوار كثيرا، وقبل أن تتهاوى قلاع مقار مملكته، يعطى أمرا بالفرم والحرق، ترتفع ألسنة النيران ، وتحرق كل أسرار رجال النظام، أدلة الادانة، أعمدة الدولة، طقوس المعبد، لم يخطر يوما بباله أن يصبح يوم ميلاده فى الرابع من مارس هو يوم نهايته الفعلي، فى اليوم التالى يأتى أمر إقالته، وهو الرجل الذي تم مد عمله بعد تجاوزه سن الستين مرتان بشكل استثنائي من "العادلي" وفى العام الثالث يأتى الاستثناء من مبارك، لكن لم يهنأ به، أمضاه فى مزرعة طره بعد اتهامه بقتل المتظاهرين، وبعد تبرئته فى حكم "مثير للجدل" يوقف ثانية ليحاكم فى حرق واتلاف مستندات أمن الدولة،يعلو صوت السجان:
الريح تمسح عن وجهها ما بناه الغبار
الجماهير تخرج في وطن كبل الجوع اقدامه
والجوع يرسم فجر الرغيف
سلام لشعب يحب الحياة الكريمة
والموت للص والقامعين